القاهرة: في العيد...أبناء غزة بين ألم الفراق وقسوة الغربة والأمل بالعودة
العريش10-12-2008- كتب محمود خلوف - لم يتمالك الشاب نبيل الطهراوي من حي البرازيل في رفح جنوب قطاع غزة، اليوم، شعوره وسرعان ما انهمرت الدموع من عينيه عندما وقف بمحاذاة بوابة صلاح الدين في الجانب المصري من رفح ونظر إلى منزله بعدما فشل في زيارة أسرته للعيد الرابع على التوالي بسبب إغلاق المعابر.
الطهراوي طالب الدكتوراه في القاهرة، أمل بأن يتمكن هذا العيد من احتضان أطفاله الخمسة، وأن يشاركهم فرحة العيد، لكن ذلك كان صعب المنال في ظل استمرار إغلاق معبر رفح نتيجة تواصل الانقلاب الحمساوي في القطاع.
شعور الطهراوي وألمه التقى إلى حد كبير مع صديقة سامي أبو طه من مدينة رفح، الذي جاء إلى المنطقة نفسها ليتأمل بمنزله الذي لا يبعد عنه سوى 200 متر.
"نحن في محنة كبيرة وضع لا نحسد عليه، فكلما أفكر بالذهاب إلى بلدي عندما يفتح المعبر بشكل استثنائي، أتراجع بسرعة لأن العودة غير مضمونه، ولا أريد أن أنقطع عن دراستي، فأنا طالب دكتوراه في جامعة عين شمس، ولا أنوي القيام بخطوة غير محسوبة تكون نتيجتها ضياع مستقبلي، وربنا يصبرنا" بهذه الكلمات عبر أبو طه عن معاتاته.
ويوضح أنه منذ عامين لم يتمكن من زيارة أسرته بسبب الظروف المعقدة والصعبة في قطاع غزة، مشيرا إلى أنه بات يبحث عن وسيلة ما تمكنه من جلب زوجته وأطفاله الخمس إلى مصر.
ويكمل أبو طه: أنا دائم القلق على زوجتي وأولادي، وكلما يكلموني بالهاتف أصاب بأسى وحرقة، والمشكلة أن أطفالي بسبب صغر سنهم لا يدركون حقيقة الموقف ويعتقدون أن المشكلة مني وأنني لا أريد أن أعود إليهم.
يقاطعه الطهراوي بالقول: عندما يرى الواحد هموم غيره تهون عليه همومه، فكلنا بالهم شرق يا صديقي، فما لنا إلا الدعاء إلى الله بأن يصلح حالنا وأن تنتهي حالة الانقسام وتعود الأوضاع إلى طبيعتها في قطاع غزة.
الطهراوي وأبو طه يعيشان معاناة كبيرة، ولكنهم أفضل حالا من العشرات ممن تلاحقهم مليشيات حماس، واضطروا لمغادرة قطاع غزة قسرا، فمنهم من تلاقهم حماس بسبب نشاطهم السابق في "كتائب شهداء الأقصى"، ومنهم من أبلغ أهلهم بأن رؤوسهم مطلوبة لحماس بسبب مواقعهم في الأجهزة الأمنية الشرعية، وبخاصة الأمن الوقائي والحرس الرئاسي، وجهاز المخابرات العامة.
العشرات من أبناء عائلات بربخ وبكر وكوارع وأبو طه، والمصري وحلس ودغمش، والحويحي وأبو رزق وغيرها، يعيشون مأساة كبيرة بسبب انقطاعهم منذ الانقلاب عن عائلاتهم.
وتعتبر محافظات العريش ورفح والقاهرة والسادس من أكتوبر من أكثر المناطق التي لجأ إليها نشطاء حركة فتح ومنتسبي الأجهزة الأمنية الذي تلاحقهم حماس.
يتذكر أبو فيصل من نشطاء حركة فتح المطلوبين لحماس، ومن سكان مخيم النصيرات وسط القطاع بحسرة وحرقة أيام العيد، عندما كان يستهل صباحه بتقبيل يدي والديه، ثم الذهاب للمسجد لأداء صلاة العيد.
ويقول: آخ آخ والله اشتقت لأيام الماضي وللعيد في غزة، فعلى الرغم من الحصار والفقر كنا نمارس بشكل جماعي طقوسا مميزة هناك...اشتقت لزيارة الأهل وتبادل الكلام مع جيراني وأقاربي، اشتقت لكعك العيد والقهوة السادة، ولدعوات والدتي وحماتي، ولأطفال الحارة الذين كانوا يأخذون "العيدية" مني بفرح ومرح.
ويتابع أبو فيصل: منهم لله شردونا وطلبونا دون أن نرتكب ذنبا، لم أتخيل بأن يوصلونا إلى هذا الحال، وأن يصل الأمر لحد منع الحجاج من مغادرة قطاع غزة للذهاب للأراضي الحجازية لأداء الركن الخامس في الإسلام، وأن أطارد بعد أكثر من 15 عاما من النضال ضد الاحتلال الإسرائيلي، وبعد السنين الطويلة التي قضيتها في الاعتقال...لقد هانت عليهم العشرة كما هان عليهم دم المسلم، ولذلك لا نتوقع منهم سوى الأسوأ.
لم يجد المشردون قسرا من أرضهم وبلادهم وأهاليهم في غزة سوى تبادل رسائل الجوال بينهم التي في مجملها تظهر سوء الأوضاع في ظل الغربة والحصار ونقص عدد من الاحتياجات في القطاع، فمنهم من بعثوا كلمات "كل عام وجرتكو مليانة غاز، وبابوركو طافح كاز، وكهربتكو جاية 3 فاز، وأكيد وحدتنا راح تكون رمز عزتنا"، و "بأي حال عدت يا عيد..انقسام وقتل وتشريد ومنع للحجيج..نصرنا الله على أعدائنا وعلى مثيري الفتنة، التتار الجدد"، و"لنا أحباب رحلوا ولا يسكنون قربنا، ولكن يسكنون قلوبنا، مهما بعدوا ورحلوا فسيظل شذى ذكراهم يعطر قلوبنا".
ويبقى لسان حال المبعدين قسرا عن أهلهم في غزة ومن حرموا من قضاء عطلة العيد مع أطفالهم، متى سيعود هؤلاء إلى رشدهم؟، ومتى سيتمكن الشعب الفلسطيني من طوي هذه الصفحة السوداء المستمرة منذ 14 حزيران 2006، التي عنوانها الحرمان والقمع والتشريد؟.