من هنا وهناك- رزمة ألغاز وأفخاخ

بقلم : عدلي صادق

 

لا تخلو صحيفة "القدس العربي" في أي يوم، من تقرير عن الأوضاع الداخلية الفلسطينية، أو عن الأوضاع الفتحاوية الداخلية، التي يرسلها بسام بدارين من عمان، أو وليد العوض من رام الله (وهو غير وليد العوض من قياديي حزب الشعب) وأحياناً أشرف الهور من غزة. وفي عدد أمس الأول (2/12/2008) هناك ما يصلح مثالاً لما نود قوله. فقد نشرت الصحيفة، معالجة متذاكية لمسألة حجاج قطاع غزة، تجنب فيها مراسل الصحيفة من غزة، أشرف الهور، أية كلمة تفيد بأن حجاجاً فلسطينيين مُنعوا بالقوة (ولو بصيغة المبني للمجهول) من التوجه لأداء المناسك. كان العنوان: تعليقات ساخرة لفشل موسم الحج في غزة. ثم في عنوان فرعي تحته: حجاج أُوصوا بالطواف حول المعبر والغناء "وقفوني على الحدود"!
 
قبل الدخول في مضمون التقرير، كانت لافتةً في العنوان، الدلالة الخبرية التي تؤكد بأن موسم الحج بالنسبة لغزة، قد "تعثر" وأن الحدود كانت المانعة كعادتها، دونما إشارة الى أن الحدود، قدمت استثناءها وانتظرت الحجاج. وفي بادئة السياق، يهرب النص الى النكات والتعليقات الساخرة التي انتقاها أخونا الهور، متحاشياً الذروة الخبرية وهي أن حماس منعت بالقوة. بالتالي كان التقرير الناقص، بالنسبة للمراسل، هو أهون الشرور. فقد رأى الشاب، كيف اختلط الأمر على عسكر حماس، فظنوا أن كل من يحمل هاتفاً مزوداً بكاميرا، يقوم بتصوير مشاهد البطش بالحجاج المتمسكين بحقهم في السفر، فانهالوا عليه ضرباً بالهراوات. وربما اكتفى مراسل "القدس العربي" بأن من تصبح الصورة الإعلامية للواقع، هي خصمه اللدود، فإنه يناطح ضد الحقيقة ولن يفلح في النهاية، لأنه يحاول الاستتار بفرضيات مزيفة لا مستقبل لها.
* * *
بعد البدء بالنكات، والدخول في جِد التقرير، يكتب المراسل: وقد ظهرت أزمة الحجاج هذا الموسم، بعد ان سجلت كل من حكومة غزة المقالة التي تديرها حماس، وحكومة تسيير الاعمال في رام الله، الموالية لفتح، أسماء منفصلة لحجاج غزة (لاحظوا ترتيب الأسماء، فهي مقلوبة توخياً للسلامة نسبة للمراسل) غير أن الأخيرة استطاعت ان تحصل لحجاجها على تأشيرات للسفر الى السعودية، على عكس الاولى. وبسبب هذه الاجراءات لم يغادر أي من الحجاج المسجلين لدى الحكومتين، لأداء مناسك الحج، وسط اتهامات متبادلة من الطرفين بتخريب موسم الحج لهذا العام!
معنى هذا الكلام، أن المشكلة تتلخص في ازدواجية التسجيل تبعاً للازدواجية الحكومية، وأن المفترض، هو أن تراعي المملكة العربية السعودية هذه الازدواجية، فتعطي حصتين لفلسطين، طالما أنها تعمل بنظام الحصص، أو أن تأتي الحكومة التي أتيح لها أن تُسجل، على نفسها، فتقتسم الحصة مع الحكومة التي انقلبت عليها. لكن الذي حدث، حسب التقرير، أن حكومة رام الله استطاعت أن تحصل على التأشيرات، بمعنى أنها فازت في تلك المباراة، وليس بمعنى أنها العنوان الرسمي الفلسطيني، الذي يحضر ممثلوه مؤتمرات جامعة الدول العربية، حاضنة الشرعيات العربية. ثم بسبب هذه الإجراءات دون غيرها ـ حسب الصحيفة ـ لم يُغادر أيٌ من الحجاج المسجلين، لأداء مناسك الحج، وسط اتهامات متبادلة من الطرفين بتخريب موسم الحج لهذا العام. ذلك بمعنى أن ضجيج الاتهامات المتبادلة، هو الذي يحجب الحج ويحجب الحقيقة، لا المنع الحمساوي بالقوة، للحجاج الذين حصلوا على تأشيرات، ثم منع التغطية الإعلامية بالقوة!
أمرٌ مؤسف حقاً. إن مثل هذا النص، هو ضد الوظيفة الطبيعية للتقرير الإخباري، لأنه باختصار، يغالط الحقيقة عمداً. وكان بمقدور الصحيفة، إن تحاشى مراسلها الإحاطة بجوانب الموقف، أن تدمج التقرير في قصة خبرية تشتمل على حقيقة ما جرى، بأخذ برقيات الأنباء، ليس انصافاً لفتح، وإنما من باب الحرص على إنصاف نفسها، لكي تتمتع بصدقية تؤهلها لتمرير تعليلات وآراء تناهض الحكومة الفلسطينية في رام الله. ففي موضوع كهذا، يعلم الفلسطينيون ماذا جرى، مثلما يعلمون ماذا يجري يومياً. ويعلم مسلمو مشارق الأرض ومغاربها، بأن أية حكومة، من واجبها تسهيل سفر الحجاج، حتى ولو كان الذين حصلوا على التأشيرات، هم جُناة خرجوا من السجون وابتغوا مرضاة الله، وليس مواطنين طبيعين، لم يفتش أحد في قلوبهم، عن ميولهم الحزبية!
* * *
صحيفة "القدس العربي" لم تكن في حاجة الى هذا الإسفاف في الموقف. وإن كان صديقي، الذي هو رئيس تحريرها، يقع في ذات الوهم، الذي وقع فيه قوميون من العرب، ووقع فيه شيوعيون من العرب؛ وهو أن حماس هي خيارهم الصحيح، فإنه مخطيء، لأن حماس نفسها لا تستوعب ولا تتفهم حرفاً واحداً، مغايراً لما يقرره متنفذوها الموصولون بالسلاح، حتى ولو كان صاحب الحرف من مؤسسي حماس أو من داخلها، أو حتى اسماعيل هنية نفسه، فما بالنا إن كان صاحب الحرف، قومي أو شيوعي، مذموم في قناعاته وفي رموزه وفي تاريخه!
الى أين يذهب القائمون على هكذا إعلام؟ هل هان عليهم الشعب الفلسطيني؟ هل اضطروا الى ما يفعلون، بعد أن شاهدوا وتأكدوا بأن الحركة الوطنية الفلسطينية، باعت وفرطت أو رمت من وراء ظهرها، عناصر القوة الإنتصارية الماحقة، التي توافرت لها، بفضل إيران وقطر وسورية والسودان وغيرها؟
ننوه في الختام، الى أن تقارير "القدس العربي" عن اجتماعات اللجنة التحضيرية للمؤتمر العام السادس لحركة فتح، باتت في موضع استغراب العارفين ببواطن الأمور، لأن روايات كثيرة جاءت في التقارير الواردة من عمان، ونقلتها المواقع الإلكترونية الباحثة عن الإثارة؛ لم يكن لها أساس لها من الصحة، وهي مُختلقة من الألف الى الياء، وربما هي من ثرثرات مصادر وأوساط غير مطلعة، تختلق لنفسها علماً بمجرى التطورات في الكواليس، لكي تكسر مللها أو تُشفي غليلها!
ما زلنا حريصين على "القدس العربي" ونأمل أن لا تستمر في هذا المنحى العقيم. هذه نصيحة من صديق حميم لعبد الباري عطوان، وكاتب مشارك في الصحيفة نفسها لستة عشر عاماً، عايشنا خلالها معاً، مرارات السباحة ضد التيار. ويأسف كاتب هذه السطور، أن تسبح "القدس العربي" مع التيار الذي يجرفنا الى المجهول، ويشارك فيه تسوويون حتى النخاع. وقد بدا طريفاً، أن يتشارك متطيرون كارهون تاريخياً للنضال الفلسطيني، وبأثر رجعي، مع السذج من محبي هذا النضال، في مبايعة "الجهاد" الحمساوي المفترض، ضد تفريط فتحاوي مفترض. إن في الأمر رزمة من الألغاز، مع رزمة من الأفخاخ!

 

 

 

 

This Page is built by ILD Site Builder __