كانت لتسيبي ليفني على الورق خطة عمل جيدة: ابعاد ايهود اولمرت اولا ودفعه للاستقالة تحت ضغوط التحقيقات والتقارير الصحافية والسيطرة على كاديما. بعد ذلك تشكيل الحكومة. ان لم يكن من الممكن التوجه لانتخابات سريعة تحت شعار 'سياسة نقية' وعلى أجنحة رياح 'التغيير' التي ارتبطت باسم باراك اوباما. تشكيل بديل جديد للجمهور الاسرائيلي الذي سئم السياسة مجسدا بشخصيتها القادمة من صفوف اليمين. نظرت لليسار ورست في الوسط بالضبط. وهي تبدو مثل ابنه الجار الطيب، تتحدث العبرية الفصيحة وتتصرف من دون مكائد وحيل. هي ما تقوله اللافتات 'الامر الجيد للدولة'. إذ ما حدث هو أن خطتها عجزت عن الانتقال من الورق الى الواقع. الأمر بدأ بصورة لا بأس بها:- ايهود باراك كان فوضويا بدرجة تكفي لابعاد اولمرت وابعاد نفسه في آن واحد. الساحة أصبحت نظيفة. وعندها بدأت المشاكل: السيطرة على كاديما التي كانت مهمة سهلة تركت آثارها على ليفني. السياسة النظيفة لطخت بعض الشيء وشاؤول موفاز شعر بالاهانة واصبح حاقدا معاديا منذئذ. اقامة حكومة بديلة لم تنجح ولصقت في ليفني منذ ذلك الحين وصمة الفشل. الانتخابات تحددت ولكن الأجندة تلاشت. بدلا من النظافة الشخصية جاء الانهيار الاقتصادي الشامل وابتلع كل شيء. وبينما كانت ليفني وأعوانها يبتلعون التقلبات أطل نتنياهو برأسه مع مسيرة الملتحقين التي لا تنتهي واندفع امامها محطما كاديما ومنتزعاً الصدارة. تقدمه يتزايد باستمرار منذ تلك اللحظة محاولا النهوض بالراية الاقتصادية المهيمنة على جدول الاعمال. اذا من الصحيح ان نتنياهو هو الذي اخرج مخصصات تقاعدنا الى السوق الحرة ومن الصحيح ايضا ان نظرية قوة السوق التي ساقها قد افلست والرأسمالية الكاسحة التي نادى بها قد تطايرت في كل الانحاء بين المكاتب الفخمة في مانهاتن الا ان نتنياهو 'مستر اقتصاد' حين ينجح في تكريس نفسه في هذا الموقع. وليفني تنظر من بعيد لاولمرت وبار اون كيف يعقدان اجتماعا لقيادة وزارة المالية مطلقين خطة انقاذ للاقتصاد ومتجاهلين وجودها. ولكن عندنا وكما تعودنا تحدث انعطافات مفاجئة في الحكاية. بالامس صدرت في شارع صلاح الدين لائحة الاتهام الموجهة لاولمرت. حاشية ليفني فرحت جدا. الفساد يعود الى الواجهة والنقاء الشخصي يعود لليفني التي تتفوق بوضوح على غيرها في ذلك. اتباعها بدؤوا العمل ورياح دافعة جديدة هبت لتنتهي مرحلة المراوحة. يتوجب القيام بخطوة ومطالبة اولمرت بالانصراف رغم الادراك انه زبون عنيد ولا يسمح لأحد بأن يطرده من دون ان يلقي بالقاذورات وقد اثبت ان لديه قدرة على ذلك. الحقيقة هي ان من الممكن فهمه. هو على قناعة انه مظلوم ويعتقد انه يتعرض للملاحقة ويمقت ليفني وباراك اللذين طرداه وقد بدأ بالميل لنتنياهو اخيرا. كل شيء نسبي في هذه الحياة. اتباع ليفني على قناعة أن اولمرت ينسق مع نتنياهو وانهما يلتقيان كثيرا ويتشاوران وان اولمرت قد بدأ يخطط لعودة ان نجا من الملفات القضائية. عودته السريعة تستوجب وصول نتنياهو لرئاسة الوزراء ودفع الجمهور لمقته خلال سنة او سنة ونصف سنة. عندها سنشتاق لاولمرت وعودة الى البيت الذي يحاولون طرده منه الآن. اولمرت بدا بالأمس صباحا أكثر تصميما من أي وقت مضى. رئيس الوزراء المستقيل، حسب رأيه، لا يدخل في وضع 'حالة العجز عن أداء المنصب' إلا إن كان من المهم لأحد ما أن يكون رئيس الوزراء المرشح في الانتخابات وتمكن من اتخاذ القرارات وفقا لاحتياجات الحملة الانتخابية، وليس وفقا لما يجب. إن أردنا أن تكون كل حملة على مقاسات تسيبي ليفني فعلى الرحب والسعة. وليس على حسابي، يقول اولمرت.
ليفني ستخوض الحرب. بالامس تحدثت بلهجة قتالية، وربما الاكثر ميلا للقتال من أي وقت آخر. هي تقول، 'هذا ليس لطيفا. يتوجب مواجهة اولمرت الشخص. الانسان. وهذا ليس سهلا ولكن يتوجب القيام بذلك. أنا لست معنية بالصراع الشخصي معه ولا ابحث عن ذلك. هذه هي المعايير. منذ قضية عيزر وايزمن حيث لم تكن هناك لائحة اتهام، ومرورا بقضية كتساف التي طالب فيها اولمرت نفسه الرئيس بمواصلة خوض الكفاح، ولكن ليس من داخل مقر الرئاسة. رابين في 1977 خرج في اجازة عندما جرى الحديث عن لائحة اتهام ضد زوجته وهذا ايضا كان في حكومة انتقالية. اذن ليس هناك مجال للنقاش بالمرة. أنا في آخر المطاف امثل شيئا ما واعتقد ان كاديما كذلك. نحن آتون مع هذه المعايير والقيم ونحاول غرسها وقيادة الدولة معها. ان لم ننهض الآن ونقول كلمتنا ونقوم بالخطوة الصحيحة فليس لنا حق في البقاء'.
ليفني تدرك حقيقة ان اولمرت لن ينصرف من دون معركة. وربما لم يذهب حتى مع المعركة، وان من الممكن ان تتطاير كميات هائلة من القاذورات. هي تعرف ذلك ولا تخشاه هي تعرف ان تقود الدولة نحو شيء جديد وانها لا تملك شيئا تخفيه وتقول أنها لا تخاف وانها تريد أن تكون المعركة الانتخابية مفتوحة وان يجيب الجميع على كل الاسئلة وكل الادعاءات. عندما يقولون لها ان نتنياهو قد يستخلص مكاسب جديدة من هذا الشجار لا تتأثر كثيرا. 'ليستخلص ما يريد الامر لا يرتبط ببيبي. هذا يرتبط بشخصية الدولة وكيف ستظهر. هل يوجد هنا رئيس وزراء قادر على اتخاذ قرار والخروج في اجازة ام رئيس وزراء يواصل الانقضاض على الجميع والالقاء بالقاذورات في وجه مؤسسات القانون في الدولة وكأن هذه الدولة بلا غد؟ ان كان الامر كذلك فأنا لست مستعدة لان اكون جزءا منه. انا بدوري وافقت على دفع الثمن اي ثمن حتى شكل حكومة وفضلت التوجه للانتخابات. لم ابحث عن كرسي بكل قوة. هذه الحكاية اكبر من الحملة الانتخابية بكثير. وانا اتوقع من الجميع الجمهور والجهاز السياسي وبيبي ان يدركوا ذلك'.
هل ستتمكن ليفني من حشد القوة المطلوبة لاجبار اولمرت على مغادرة منصب رئاسة الوزراء؟ هذا الامر سيتحدد في آخر الاسبوع. في هذه الحكاية عدد من اللاعبين المركزيين. شاؤول موفاز مثلا. او حاييم رامون. وبالاساس داليا اتسيك. رئيسة الكنيسة ممزقة هنا الى اشلاء. لا تعرف ان كان على اولمرت ان ينصرف، ولكنها لا تستطيع ان تقول له ذلك. ليس علانية وانما خلف الابواب المغلقة. هي لم تكن مستعدة لغرز السكين في جثته السياسية. وهي ايضا تعتقد أن ذلك سيلحق الضرر بحزبها كاديما. اتسيك التي مارست الضغوط الشديدة على رامون حتى يبقى في كاديما لن تكون قادرة على دعم ليفني وسيكون عليها ان تقرر ما الذي ستفعله وبسرعة. صوت اتسيك يجب ان يسمع. قطار الجبال يواصل اندفاعه في الوقت الحالي. حملة ليفني ستبدو نائمة مخدرة حتى يوم الاربعاء ظهرا. ليفني من ناحيتها جاهزة لكل مواجهة تلفزيونية ستقترح مع باراك ونتنياهو في أي اطار كان وعلى الطريقة الامريكية ولكن بيبي مثل باراك يتهرب ويصمت. حملة ليفني تحتاج اذن الى شيء دراماتيكي يخلصها من الوحل. هذا لشيء آت والان سننتظر لنرى ما هو هذا الشيء، الامر الاكيد انه سيكون مثيرا. باراك؟ في وضع حرج ولكنه مستقر. كل ما يمكن ان يتشوش قد تشوش حتى سعيه لتخصيص مكان لفؤاد قد ذهب هباء. لا يمكن لحزب العمل ان يفعل شيئا من دون أن يقع في ورطة. في السابق عندما كان ايفيت ليبرمان مديرا عاما لديوان رئيس الوزراء كان ينسج الحكايات حول دستور حزب العمل ويستمتع في ذلك ويسخر منه. دستور غير منطقي ولا يخلو من المفارقة الزمنية. بالمناسبة الداد يانيف وموشيه شاحال اوشكا على تغيير هذا الدستور حتى يتمكن باراك من ادارة العملية، ولكنه شك في انهما يحاولان سرقة الحزب منه فطردهما. لهذا السبب فقط يجدر طرده. الآن يحاول باراك ودفعة واحدة تكريس نفسه وزيرا للدفاع. هو يتجول مثرثراً مع نفسه على اساس يومي. كلماته المذهلة حول جلعاد شاليط وحول الخيار العسكري المتاح من اجل اعادته تسببت بأصداء ودوائر داخلية بعد ذلك توجه للجنة الخارجية والامن في الكنيست وتحدث عن كون باكستان 'قنبلة متكتكة' العلاقات مع باكستان حساسة ومعقدة ورقيقة وعندما ينقل عن وزير الدفاع الاسرائيلي تصريح بائس كهذا، يحدث ضرر هائل. الدوائر العسكرية والامنية تبدي الاستغراب من ذلك. الى اي حد هابط يمكنه ان ينزل؟ يتساءلون هناك وفي كل صباح يفاجئهم من جديد. هو ينزل الى مستوى منخفض جدا بما في ذلك في الاستطلاعات وفي التصريحات على حد سواء. لا مفر امام حزب العمل. هو بحاجة لحملة غير عادية الآن. ما يحتاج اليه هو التأثير على غدة الشفقة الشعبية.. شيء مثل عدم وجوب ازالة هذا الحزب وعدم وجوب السماح له بالموت، او ويا للأسف، صوتوا لحزب العمل على الاقل من أجل الابقاء على شيلي ياحي موفيتش عضو الكنيست الاكثر تميزاً في الكنيست. هذا ما تبقى. ونتنياهو؟ غارق في شؤونه. ويعرف ان الحملة المعاكسة ضده ستبدأ بعد قليل. سيذكرونه في كل شيء. ونحن معه أيضاً. سيذكرون بالاوهام وبمخصصات التقاعد والعرق والهمسات وكل ما كان مريدور وبيغن والكثيرون غيرهما قد قالوه عنه. لذلك لا يعطر بيبي نفسه بالاستطلاعات. اتباعه يقدرون ان الفجوة ليست دراماتيكية، 7 ـ 8 مقاعد تقريبا. شيء يمكن لبيبي بحماقة او اثنتين أن يبدده خلال اسبوع ـ اسبوعين. لذلك لا تهدأ رغبته في اجتذاب نجوم جدد.رائحة الحكم واضحة وتبعث على النشوة وقد وصلت الى حواسه. هو لا يريد أن يفقد ذلك ويريد آفي راتسون ومناحيم هيروفتش. مراسلنا في الشمال مارس عليه ضغوطا شديدة دراماتيكية واظهر استطلاعات تشير الى فوزه ان رشح نفسه عن لواء الشمال في الليكود وكان مستعدا للتوجه الى كريات شمونة على متن مروحية لزيارة هيروفتش وضمه للحزب كمرشح. استطلاعات داخلية اظهرت لنتنياهو ان هيروفتش يساوي مقعدا او اثنين في الشمال. وهو مستعد للقيام بأي شيء تقريبا من اجل مقعد او اثنين تقريبا. ليست لديه ثقة بأي شيء باستثناء الانتصار في العاشر من شباط (فبراير). وكان رئيس وزراء تقريبا واعلن كرئيس وزراء قادم. مرت اكثر من اثني عشر عاما منذ فوزه على بيريس. ومنذ ذلك الحين لم ينتصر وها هو يرغب في ذلك الآن. رغبته شديدة. هيروفتش بالمناسبة لم يخضع لضغوطه وبقي في الصحافة.
|