إفناء دولة اليهود من خلال 'حق العودة' ..
المبادرة الطروادية
بقلم /عاموس كرميل
الاعلان المزين بالاعلام والذي نشرته الاسبوع الماضي منظمة التحرير الفلسطينية في الصحافة الاسرائيلية يوفر لقرائها خدمة هامة. فبعد ان يتغلبوا على التأثر بمجرد النشر ـ في أن م.ت.ف لم تعد ترى في وسائل اعلامنا امرا مرفوضا ومستعدة لان تستخدم الديمقراطية المنتهجة في مطارحنا، يتبين أنه لن يعود ممكنا بعد الان اتهام اي جهة خفية في نشر ترجمة مخلولة وزائفة لـ 'مبادرة السلام العربية' (او 'المبادرة السعودية').
كما أنه يمكن لنا الان ان نرى بوضوح بان تأثر رئيس الدولة من هذه المبادرة اشكالي وغريب. إذ ان العيوب التي فيها لا تتعلق على الاطلاق بما يسميه 'الحقوق الدينية لليهودي'. اول العيوب هذه يوجد في بداية البند الثاني من المبادرة، كما ترد في الاعلان. اسرائيل مدعوة 'للموافقة على المطالب التالية'. لا ان تدرس اقتراحات، لا ان تطرح امكانيات بديلة، لا ان تجري مفاوضات بين متساوين. توجد مطالب ولا مجال لغيرها. توجد صيغة مطلقة ونحن يفترض بنا أن نعتقد بانها تستوي مع ما يسمى في الاعلان بـ 'سلام عادل'.
احد هذه المطالب هو 'ايجاد حل عادل لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين يتفق عليه وفقا لقرار 194 للجمعية العمومية للامم المتحدة'. هذا القرار الذي اتخذ في كانون الاول (ديسمبر) 1948، لم تقبل به اي حكومة اسرائيلية. ليس فقط منذ 'احتلال' 1967، بل وايضا في الـ 19 سنة الاولى للدولة، والتي لم يكن لها فيها 'مناطق'.
والمعنى من ذلك بسيط: البند 11 من القرار يقضي بان 'اللاجئين الذين يرغبون في العودة الى ديارهم والعيش بسلام مع جيرانهم يسمح لهم بعمل ذلك في اقرب وقت ممكن من الناحية العملية'. بتعبير آخر، فان مطلب 'وفقا لقرار 194' هو مطلب لتغيير جوهري في الميزان الديمغرافي في اراضي دولة اسرائيل داخل الخط الاخضر.
لمن يتسلى بالاوهام بان كلمات 'حل عادل ومتفق عليه' تمنح اسرائيل حق تقزيم هذا التغيير، يوصى بقراءة البند 4 من 'اعلان بيروت'، الذي ادرج هو ايضا في الاعلان ذي الاعلام: 'رفض كل اشكال توطين الفلسطينيين التي تتعارض والظروف الخاصة للدول العربية المضيفة'. هذه الصيغة غامضة عن عمد ومرفوضة من اساسها. فلم تغصب اي دولة عربية على منح المواطنة للفلسطينيين الذين استقروا فيها، خلافا لـ 'الظروف الخاصة' فيها. فالاردن مثلا فعل ذلك بحماسة شديدة. وكذا دول الخليج لم تتحفظ من ذلك عندما احتاجت الى قوة عمل خبيرة. وبشكل عام، اي 'ظروف خاصة' تمنع توطين ابناء الشعب العربي في واحدة من عشرات بلدانه، ولماذا ينبغي ذكر ذلك في المطالب الموجهة لاسرائيل؟
المعنى الوحيد لهذا البند هو الرفض التام لتأهيل اللاجئين الفلسطينيين في الدول العربية التي يتواجدون فيها منذ ستين عاما. اذا كان محظورا توطينهم هناك، فان 'مبادرة السلام العربية' تتضمن نقلهم الى مكان آخر. بمعنى، 'الظروف الخاصة' هي فقط صورة ديماغوجية عن مطلب تحقيق 'حق العودة' الفلسطيني الى داخل اسرائيل.
وللدقة، ففي البيان الختامي في قمة بيروت (28/3/02) والتي صيغ فيها البيان الذي في مركز الاعلان ذي الاعلام، سارع صائغوه الى ان يفرضوا على اسرائيل 'المسؤولية القانونية الكاملة عن وجود مشكلة اللاجئين الفلسطينيين' والتشديد على 'معارضتهم التامة لكل الخطط والمحاولات لتوطينهم خارج ديارهم'. ما الذي نحتاجه اكثر من ذلك كي نفهم على ماذا يدور الحديث؟
في رأس الاعلان طبع باحرف كبيرة بانه مضمون لنا 'اتصالات دبلوماسية وعلاقات طبيعية' مقابل 'انهاء الاحتلال'. الاحرف الصغيرة تفيد بان الحديث يدور عن ثمن اكبر بكثير. ليس عن الاستجابة لرفيف جناحي حمامة، بل ادخال لحصان طروادي. بالفعل، انعطافة تاريخية.