حفيدها شاهدته أشلاء متناثرة
أم فتحي:ابن فقد وآخر استشهد وثالث أخشى أن أموت وهو خلف القضبان
في مدينة نابلس حي رأس العين ..هناك تعيش امرأة مسنة تدعى أم فتحي رمانة تشاهد على وجهها البسمة الصفراء وفي عيونها دموع الألم والحسرة فعندما جلست بجانبها أحسست بعاطفة الأمومة وعندما بدئت أتحدث معها بكيت قبلها من شدة معانتها.
ابني مفقود
لقد فقدت ابني البكر فتحي وهو في ريعان شبابه حيث خرج من البيت في الصباح الباكر وكنت اعتقد انه ذاهب كالعادة الى معهد تعليم الكهرباء نعم منذ أكثر من 25 سنة وهو لم يتم التاسعة عشرة من عمره وحتى الآن لم يعد ولا اعرف هل هو حي أو ميت وتتابع والدموع تذرف من أعينها والحزن ينعكس على وجهها ما تركت باب إلا وقد طرقته لكن دون أي مجيب فلجميع يقول لي إننا لا نعلم أين فتحي وكلما راجعت في الموضوع قالوا لي لا جديد وأحينا أقف بيني وبين نفسي واتذكره عندما كان يمازحني وكيف كان يحب أطفال الجيران ويلعب معهم وكأنهم أطفاله واجلس ساعات طويلة وانا احمل دفاتره وأقلامه وهداياه لي بل إني يوميا أتلمس من ملابسه التي ذكرني بجمال روحه ووجه البشوش وصته الحنون وأقول هل سيأتي اجلي دون أن يعود ابني مثلما حدث مع والده
آخر استشهد
أما ابني سامر الذي أتني في الصباح الباكر وطلب مني أن اقبله وأرضى عنه وثم خرج من المنزل كالعادة وحدثت أعمال رشق للحجارة بين المقاومين وجيش الاحتلال لإسرائيلي وعندها سمعت أن هناك شاب جريح وفي حالة الخطر وطلب مني الجيران الذين كانوا يعلمون أن ابني قد استشهد أن أرافقهم إلى المستشفى لكي أن نساعد أهل الشهيد كما كانت عليه العادة في الانتفاضة الأولى وعندما وصلت إلى المستشفى ابلغني الأطباء أن الشاب قد استشهد ولكن الشباب قاموا في أخذه خوفا من قدوم سيارات الاحتلال واخذ الجثة وعندها سألته من هو الشاب أجابني انه يدعى سامر محمد عبد الله رمانة وعندما سمعت في الاسم فقدت وعي على الفور واستيقظت والنساء من حولي بعد مراسم الدفن ويقولون لي اصبري إن الشهيد يشفع لأهله يوم القيامة لكن كل كلماتهم لم تمضمض جرحي ولن تحبس الدموع في عيوني وكان الأمر لا يصدق ففي الصباح كنا نتحث عن المستقبل وجمال الحياة والآن ابكي والحسرة في قلبي فكل كلمات التاريخ لن تستطع ان ترد لي سامر او تعوضني عن بسمة من بسماته الجميلة قلبي فلقد أصبحت المقبرة التي دفن بها ابني أكثر مكان أتردد عليه وكنها المتنزه لأني هناك افرغ عن نفسي عند مشاهدة أمهات الشهداء من حولي
ثالث أخشى أن أموت وهو خلف القضبان
وتتابع والدموع تنهار في حقيقة الأمر بالنسبة لابني عمار الذي لم أشاهده منذ أن اعتقل لأنه ممنوع من الزيارة و هو ليس أول ابن يأسر من أبنائي لأنهم جميعا قد أسرو لكن عمار قد اسر في المرة الأولى وحكم عليه أربع سنوات وبعد أن أمضاها جميعها قد أعيد اعتقاله أثناء اجتياح القوات الإسرائيلية للمدينة واصدر عليه حكما في السجن لمدة ثماني أعوام وفي كثير من الأحيان عندما اسمعه على الهاتف تذرف الدموع من عيني وكم أتذكر أني كنت ابحث له عن عروس قبل أسره في أسبوع واليوم أتمنى أن يخرج مع الافراجات عن قريب لأني أخشى أن أصبح في ذمت الله دون أن اقبله أو يقبلني وان أعانقه ويعانقني
حفيدا شاهدته أشلاء متناثرة
ولا تقف معانات أم فتحي عند حسرتها على أبنائها بل تمتد لتصل أحفادها فهي ليل نهار تذكر اسم شيبوب وهو ابن ابنتها الذي اسمه الحقيقي أيها والذي قضى في انفجار لعبوة ناسفة فكم من الألم تشهد في وجهها عندما تتحدث عن بشاعة المنظر لأهاب بعد استشهاده حيث تقول لم اعد أتخيل الجمال أو أؤمن به بعد مشاهدتي لشيبوب وهو أشلاء متناثرة قطع من لحم جثته هنا وقطع هناك و دمائه الطاهرة تنتشر وتستصرخ أين الإنسانية وجمال الطبيعة التي من المفترض أن يزينها حفيدي ابن العشرين ربيعا لا أن يموت بهذه الطريقة البشعة المرفوضة في كل الأعراف
معانات المصروف
إني اعتاش وانفق على نفسي من مخصصات ابني الشهيد ولكن هذه المخصصات لا تكاد تكفي أي شيء لأنها لا تتجاوز 50 دينار شهريا وكما أنها انقطعت لفترة طويلة بعد الانتخابات التشريعية ولكن لا كلمة لي سوى الحمد لله رب العالمين على كل شيء نعم تقولها والإيمان يبدو على وجهها وبل قالت دائما اعزي نفسي بكلمات وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم
أمي فقدت صحتها وضعفت ذاكرتها
أما صباح رمانه تقول لقد تغير حال أمي كثيرا ولم نعد نرى على وجهها إلا الحزن والحسرة فهي دائما تبكي الدموع وتحمل صور أشقائي وتقول لماذا يحدث معي هذا وحتى انه لوحظ عليها ضعف الذاكرة والتشتت ولم تعد تبصر بوضوح وكما انها أصبحت هزيلة نحيفة تسير بكل صعوبة وتوصينا أن نحافظ على أنفسنا وتخشى بعدنا عنها وفي كثير من الأحيان تقول لي هل سيئتي اليوم الذي سيعود فتحي ويتحرر عمار من الأسر قبل أن أغادر أنا هذه الدنيا وارحل