هل عجز العالم عن حل القضية الفلسطينية ؟
بقلم : مهند عبد الحميد
بعد عشرين عاماً على إعلان الدولة الفلسطينية، وبعد خمسة عشر عاماً على تأسيس السلطة، ونحن ننتقل من وعود إلى وعود، ومن حالة انتظار إلى حالة انتظار أخرى، انتظرنا إدارة أميركية تلو الأخرى، ولم تفلح كل الادارات في فعل شيء لانها التحقت بمستوى وبآخر بالموقف الاسرائيلي، وبلغ الحد بإدارة بوش الابن حد التطابق مع ذلك الموقف، وهو في أسوأ حالاته "فرضُ حل من طرف واحد". وانتظرنا الانتخابات الاسرائيلية، علّ وعسى أن تتمخض عن حكومة يسار أو يسار اليمين أو حتى وسط اليمين!، فاختلط اليسار مع الوسط واليمين وأصبح قرار الدولة مناصفة بين المستوطنين كما يؤكد عكيفا إلدار في كتابه الشهير (أسياد البلاد) وبين جنرالات المؤسسة العسكرية الذين يشيدون نظاماً للفصل العنصري على الأرض ويستبيحون كل شيء.
وانتظرنا كل الوقت وبشكل متواصل ودائم الاتحاد الأوروبي الذي أقنع قيادة منظمة التحرير بفكرة وأسس وآلية الحل الذي سيؤدي لا محالة إلى إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة المستقلة لكن الموقف الاوروبي رغم تمايزه في التضامن والدعم، التحق سياسياً بالموقف الاميركي وخاصة في السنوات الثماني الاخيرة، وتحول الدعم المالي من دعم لبناء مقومات الانفصال عن الاحتلال وإقامة الدولة، بل يقتصر على الجانب الإغاثي والإنساني والأمني.
لجأنا للعالم الدولي ولتحولات متخيلة في إسرائيل، لان العالم العربي لم يعد يطرح حلا للقضية الفلسطينية بمثل ما إنه لم يعد يطرح حلاً للقضايا العربية الأخرى. العالم العربي الرسمي حافظ على مستوى من الدعم السياسي والمالي للشعب الفلسطيني دون مستوى التأثير في الموقف الاسرائيلي والأميركي والأوروبي. فلم تطرح الدول العربية نهائيا احتمال ممارسة ضغوط سياسية واقتصادية ودبلوماسية ضد اسرائيل والإدارة الأميركية، طرح العرب مبادرة سياسية لمراودة إسرائيل عن سلام شامل، لكن إسرائيل لم تراود الدول العربية عن نفسها بالسلام. وبقي الوضع على حاله.
العامل الفلسطيني الذي أحدث اختراقاً سياسياً للنظام الدولي ولدولة الاحتلال الإسرائيلي عبر الانتفاضة الأولى ووثيقة إعلان الاستقلال، لم تحسن قيادته صنيعاً إزاء الوضع الجديد، تخبط المفاوض الفلسطيني في إدارة المفاوضات، ليجد النظام الجديد نفسه في إسار قبضة أمنية إسرائيلية، اخذت تضيق عليه الحصار وتفتت بنية المجتمع والسلطة المركزية. وقدمت نموذجا سلبيا في بناء مؤسسات السلطة، وانغمس الجهاز البيروقراطي في قطف ثمار صعوده الوطني بصورة فئوية وشخصية طاردة للتأييد الشعبي.
انتهى تأثير الانتفاضة الأولى عند هذه الحدود. وما عاد بالامكان الضغط بالعامل الفلسطيني على دولة الاحتلال والنظام الدولي والاقليمي. وجرت الاستعاضة عن تهديد استقرار المنطقة عبر الانتفاضة الفعلية بتهديد نظري يقول إن الوضع سينفجر مرة أخرى إذا لم ينته الاحتلال وتقام الدولة. وعندما استخدمت المعارضة الاسلامية الضغوط باستهداف المدنيين في العمق الإسرائيلي، عززت التطرف الإسرائيلي وأضعفت السلطة. وتكرر الشيء نفسه في الانتفاضة الثانية التي وضعت الشعب الفلسطيني في عزلة وحصار لم يسبق لهما مثيل، وأثبتت أن هم المعارضة الاسلامية استبدال السلطة بمعزل عن حل القضية الوطنية ورفع المعاناة عن الشعب الذي مضى عليه اربعة عقود ونيف تحت الاحتلال العسكري.
بعد هذه المسيرة الطويلة من انتظار الحل والتفاوض من أجل الحل الذي ينهي الاحتلال، تقول نتائج مفاوضات أنابوليس إنه لم يتم الاتفاق على واحدة من قضايا التفاوض المطروحة. هل سنعيد انتاج الانتظار، ونعيد الكرَّة مرة أخرى بمعزل عن محاولة تغيير عقلاني لقواعد اللعبة؟، هل ننتظر إدارة أوباما وحكومة نتنياهو او ليفني ووعود الدعم الاوروبية التي اصطدم تطبيقها وفقا لمؤتمر باريس بنظام الفصل العنصري المقام على الأرض وبقيت المشاريع الكبيرة وعودا غير واعدة؟.
يقول تاريخ من التجارب السابقة: ان هذا المستوى من الأداء الفلسطيني والسبات العربي، وذلك المستوى من التدخل الدولي الذي يخلو من اي ممارسة للضغوط، هذا الأداء الجماعي لن يؤدي إلى إنهاء الاحتلال وإقامة دولة فلسطينية مستقلة، بل سيؤدي إلى تثبيت وترسيم واقعي لنظام الفصل العنصري على الأرض.
إن إعادة الرهان على جياد لا تقوى على العدو بدون تمرين الجياد وتغذيتها، أو بدون السعي من أجل التغيير، يعمق حالة اليأس والاحباط الحالية ويقود إلى مزيد من الانقسام والفوضى بين أبناء وتجمعات الشعب الفلسطيني. مقابل ذلك فإن المقامرة بالشرعية الفلسطينية وبالوحدة الوطنية ووحدة الوطن، وتحويل الصراع إلى صراع داخلي، تحت شعار المقاومة -بدون مقاومة- تسلب الشعب الفلسطيني كل عناصر قوته وتساعد في عزله وحصاره وتصفية كيانه الوطني.
التحدي يقذف في وجه الوطنية الفلسطينية، كيف نغير في وضعنا الداخلي ايجاباً؟ في السياسة والتكتيك، في طرح الشعار والموقف، في إعادة بناء المؤسسة. بدون تغيير في العامل الفلسطيني، لن يحدث التغيير في مواقف الآخرين. وأول التغيير يبدأ بوضع سياسة جديدة تمنع استخدام الحكومات الاسرائيلية للمفاوضات من أجل خداع العالم. وبكشف حقيقة أن إسرائيل تفرض نظام بنتوستونات جديد على الأرض، قبل وأثناء التفاوض، وهذا الموقف يستدعي طرح قضية إغلاق البوابات التي تقطع أوصال الوطن، وطرح قضية إزالة البؤر الاستيطانية وتجميد الاستيطان، وإزالة جدار الفصل العنصري، وفتح مدينة القدس، قضايا كثيرة يمكن طرحها مسبقاً قبل اي تفاوض، تلك القضايا التي تؤثر على نتيجة المفاوضات وطبيعة الحل الذي نفاوض عليه وتحرم إسرائيل من ممارسة الخداع، وكل ذلك من أجل أن يكون للتفاوض معنى مقنعاً يستطيع معه المفاوض الفلسطيني حشد التأييد الجماهيري. مثل هذه السياسة الجديدة تحفز ممارسة الضغوط الخارجية على دولة الاحتلال. وثمة تطورات في مجال القانون الدولي وفي أوساط أكاديمية ونقابية وثقافية تتيح ممارسة ضغوط مؤثرة ضد الاستباحة الاسرائيلية للقوانين والمواثيق الدولية وحقوق الانسان.
الاستجابة للوضع الجديد تنطلق من رؤية التحولات والتغيير الايجابي على أكثر من صعيد، ذلك التغيير الذي أطاح بالمحافظين الجدد وكشف الأثمان الفادحة التي دفعها العالم جراء مغامراتهم العسكرية والاقتصادية. وطرح ضرورة التغيير. العالم يتغير الآن، فلماذا لا نتغير؟.