الفنانة اللبنانية مي نصر " للحوار الوطني " : فلسطين هي ظل الحقيقة في حياتنا 
حوار ناجي الناجي : مي نصر ، فنانة لبنانية عرفها الجمهور العربي من خلال أدائها للأغنيات الملتزمة لكبار المطربين العرب كالفنانة الكبيرة فيروز و عايدة شلهوب و أحمد قعبور و غيرهم ، فارضة أسلوبا خاصا في الغناء حيث تؤدي جميع أغنياتها بصحبة القيثارة فقط ، مما أعطى مساحات أكثر اتساعا لإبراز قدرات صوتها ، الأمر اللذي جعل العديد من النقاد يطلقون عليها لقب " الصوت الملائكي " ، بيد أن أكثر ما يؤخذ على مي نصر هو قلة إطلالاتها الإعلامية و انحسار علاقتها بجمهورها من خلال حفلاتها التي قدمتها في العديد من الدول العربية ، كما أحيت العديد من الحفلات للجالية العربية في الولايات المتحدة الأمريكية. ولدت مي نصر في البحرين عام 1965 ، ثم عادت الى لبنان بصحبة أسرتها عام 1975 ، و عاشت أجواء الحرب الأهلية اللبنانية، فاختزنت ذاكرتها كل تفاصيل الدمار و رائحة البارود ، و جاء اجتياح بيروت في العام 1982 ، لتقرر مي الانزواء بصحبة القيثارة محاولة إعلاء صوتها فوق صوت الرصاص و هدير الدبابات ، ثم كانت المحطة الأهم في حياتها وقت أن تتلمذت على يد الفنان اللبناني الكبير زكي ناصيف . "الحوار الوطني " التقى مي نصر و كان هذا الحوار : - كيف كانت بداية مي نصر مع الفن و الغناء ؟ - بداية علاقتي بالفن كانت من خلال أسرتي ، حيث كانت والدتي و خالاتي يهوين الغناء و العزف على البيانو ، فكنا نجلس سويا و نتبادل الغناء و الآراء الموسيقية ، مما جعل نشأتي الأولى تتشبع بتذوق الفن و الموسيقى. - و كيف انتقلت الى مرحلة احتراف الموسيقى ؟ - كان ذلك عندما تعرّفت على مهندس الصوت الكبير المرحوم فريد أبو الخير الذي ذاع صيته من خلال "استوديو بعلبك" بتسجيلاته لجميع حفلات الرحابنة وفيروز وزكي ناصيف، و الذي ساعدني من خلال اتصاله بالفنان المرحوم زكي ناصيف طالبا منه سماع صوتي ، أذكر يومها أنني أمسكت بالهاتف و قلبي يختلج من الرهبة ، طلب مني زكي ناصيف أن أسمعه شيئا فغنيت رائعة الفنانة فيروز " أهواك بلا أمل " ، و فور انهيت من الغناء قال لي : سنبدأ تدريبات الصوت في أقرب وقت . 
- و هل تعتبرين أنك قد استفدت من الفنان زكي ناصيف في تدريبات الصوت فحسب؟ - بل كانت استفادتي الكبرى من ثقافته الموسيقية ، حيث كنت أعرج عليه للذهاب سويا الى المعهد الموسيقي لمباشرة تدريبات الصوت ، و في الطريق كنت أعشق زحام السير الذي يتيح لي وقتا أطول لسماع آرائه الموسيقية في كل ما نسمعه في مسجل السيارة ، فكان يبدي آراء عدة في الجمل الموسيقية و مساحة طبقات الصوت و طريقة الأداء ، و كنت أحاول أن أحفظ كل ما يقوله للاستفادة منه قدر المستطاع ، و قد فعلت الشي نفسه مع الفنانة بديعة حداد التي أكملت تدريبات الصوت معها بعد رحيل الفنان الكبير زكي ناصيف . - قدمتّ أغنية " على طريق عيتليت " التي كتب كلماتها الفنان اللبناني وليم نصّار بعد تغيير العديد من كلماتها المتعلقة بفلسطين ، و هو ما فتح المجال للبعض لإطلاق تحليلات عدة ، فما حقيقة أسباب تغيير الاغنية الأصلية ؟ - عنما استمعت إلى الأغنية في المرة الأولى من الفنان وليّم نصار ظننت أن "عيتليت" هي ضيعة "عيتيت" اللبنانية ، فآثرت أن أغير بعض الكلمات في الأغنية كي تتوافق مع "عيتيت " ، كما أن الأغنية الأصلية تحتوي على مقطع يتحدّث عن الحزب الشيوعي اللبناني " جمّول" الذي أكنّ له كل تقدير و احترام ، لكنني فضّلت أن أجعل الأغنية أكثر عمومية و لا تخصّ حزبا بعينه و أداء الأغنية بهذا الشكل هو في الحفلات فقط ، و لا أستطيع تقديمها في ألبوم حيث أنها من أعمال الفنان وليم نصّار، أما فيما يتعلق بفلسطين ، فلا يخفى على احد ما تعنيه لنا فلسطين الأرض و القضية وجدانيا و فكريا ، فلسطين بالنسبة لنا هي ظل الحقيقة في حياتنا ، و هي صوت الخير و الحق و العدالة على الأرض ، كما أنني أديّت أكثر من أغنية إلى فلسطين ، منها رائعة الفنانة أم كلثوم "أصبح عندي الآن بندقية " . - كيف تقيّمين مساحة الفن الملتزم في الوطن العربي قياسا بالفن التجاري ؟ - بداية دعني أوضح مفهومي الشخصي للفن الملتزم ، حيث أرى أن الفن الملتزم لا يعني أداء الاغنيات السياسية و الوطنية فحسب ، بل حتى الأغنيات العاطفية التي تؤدّى بشكل راق بعيد عن الإسفاف و الابتذال هي فن ملتزم ، و ان أحصينا عدد الفنانين الملتزمين في الوطن العربي في الفترة الراهنة لوجدناه ليس بالقليل ، و كذلك جمهور الفن الملتزم الذي يسعى للوصول الى فنانّيه بالرغم من بعدهم عن وسائل الإعلام ، أو بعد وسائل الإعلام عنهم لحساب الفن التجاري - إذا فأنت تحمّلين وسائل الإعلام مسؤولية تراجع جماهيرية الفن الملتزم في الوطن العربي؟ - ليست وسائل الإعلام جميعها ، فهناك العديد من وسائل الإعلام التي تهتم بشأن الفن الحقيقي و تحاول تحقيق رسالة إعلامية هادفة ، و لكن في المقابل هناك وسائل إعلام أخرى تلجأ لتحقيق مكاسب دعائية عن طريق التسويق لثقافة الجسد و التماشي مع رغبات الجمهور بغض النظر عن محتوى الفن الذي تسلّط عليه الضوء ، كما أن شركات الإنتاج مسؤولة بشكل مباشر عن الفجوة القائمة بين الفن الملتزم و الجمهور ، و للأسف الكثير من الشباب الآن لا يعرف أغاني مطربين كبار لطالما أتحفونا بأعمال فنية خالدة - ألهذا السبب عملت على إعادة أداء أغنيات لمطربين كبار ؟ - ربما ، و لكن السبب الحقيقي هو أني شخصيا أحب هذه الأغنيات و أحب غناءها كأي هاو آخر - تعتبرين نفسك هاوية بالرغم من تلك الأعداد الكبيرة التي تلجأ لحضور حفلاتك أينما ذهبت و التي وصلت لحد الشجار كما حدث في حفلتك في حمص؟ - نعم أصنف نفسي كهاوية لأني لم أدرس الموسيقى دراسة أكاديمية ، بل أني لا أعرف كتابة النوتة الموسيقية ، ربما تكون هذه العلاقة بيني و بين الجمهور بسبب أدائي لأغنيات أحبوها ، و ربما الله قد أنعم عليّ بصوت يحظى بقبول معيّن ، أو بسبب غنائي بصحبة القيثارة فقط و هو ما يقرّب المسافة بين الفنان و الجمهور - تعملين خبيرة تدريب استشاري لمؤسسات التمويل الصغرى ، هل لعملك تأثير على غزارة أعمالك الفنية ؟؟ - بكل تأكيد ، فعملي يقتصّ جزءا هاما من وقتي الفني ، و ربما يكون هذا أيضا أحد أسباب إصراري على أن أصنّف كهاوية و ليس كمحترفة - لكن طبيعة رسالة الفن الذي تقديمنه تتقاطع مع رسالة عملك الذي يتيح لك رسم البسمة على وجوه الناس كما حدث عندما غنيت لأطفال الشوارع في صنعاء و مومباسا ؟ - لا أعتقد أن هناك فرق بين العملين ، فقد تخرّجت من كلية الآداب قسم المساعدة الاجتماعية و من ثم عملت في المجال الاجتماعي ، و هو ما مكّنني من الاقتراب من النساء و الاطفال و الموظفين في دول العالم الثالث ، فشعرت أن عليّ أن أغني لهم و عنهم ، فكنت أختار أغنيات لفنانين كبار اقتربوا من الناس و حملوا قضاياهم و احاول قدر استطاعتي ان أعبر عنهم بأسلوبي الخاص - عدّت الى لبنان مع بداية الحرب الأهلية اللبنانية ، و عشت اجتياح بيروت عام 82 ، كيف أثّرت هاتان التجربتان في فن مي نصر ؟ - بكل تأكيد أن هاتين التجربتين هما سبب رئيس و مباشر في انتهاج طريق الفن الملتزم و الهادف ، وأعتقد أن كل من مرّ في تجارب كهذه شعر بأن عليه أن يستحثّ السلام بين الأشقاء ، وأن يرفض أي عدوان أو ظلم أو قهر بل و مقاومته في كل المجالات و خاصة في جوانب الإبداع الأدبي و الفني - كيف ترين الأصوات الفنية الملتزمة المتواجدة حاليا في الساحة الفنية ؟ - هناك تجارب فنية حقيقية ، مثل تجربة ريم بنّا التي تقدم الأغنيات التراثية بأسلوب جديد تمتزج فيه الثقافتين العربية و الغربية و تنصهر في شكل شديد الجاذبية ، كما أنها تحمل رسالة تعمل على توصيلها بشتّى الطرق كما حدث مؤخرا عندما غنّت للعالم من منزلها بعد رفض السلطات الاسرائيلية السماح لها بالغناء في دمشق ، كذلك مكادي نحاس التي تتمتع بصوت جميل و شخصية غاية في التواضع و الثقافة ،أيضا الفنان المجتهد و صاحب الحس المرهف زياد سحاب ، و شربل روحانا الذي أعتبره أحد أفضل الفنانين الملتزمين الحالين ، هناك الكثير من الأصوات و التجارب الرائعة و التي أخشى أن أنسى أحدا منها ، و أعتقد أني أستفيد منها جميعا بلا استثناء . - تتحدّثين عن ريم بنّا في كثير من لقاءاتك ، و تفعل هي الشيء ذاته ، ما سر هذا الغزل الفني المتبادل ؟ - أنا من المعجبات بفن ريم بنّا قبل وجود أية علاقة شخصية ، و أحب كثيرا اللون الفني الذي تقدّمه ، و بدأت علاقتي بها عندما منعتها سلطات الإحتلال من الغناء في سوريا ، عملت وقتذاك أنا و العديد من الأصدقاء على تجميع محبيّ ريم و الاستماع سويا إلى الحفل الذي أقامته من بيتها عبر الإنترنت لتكسر حاجز المنع ، قنعت وقتئذ بأن ريم بنّا فنانة تملك قضية و تعمل على إيصال صوتها بشتّى الطرق ، بعد ذلك توطّدت علاقتنا ، و أعتقد أن ما جمع بيني و بينها هو تقاطع طريقينا في إعلاء أصوات حناجرنا من أجل قضايا نؤمن بها . - قدّمت جاهدة وهبة تجربة جديدة عندما غنّت من كلمات الأديبين غونتر غراس و أحلام مستغانمي ، هل من الممكن أن تغني مي نصر نصا نثريا غير موزون أو مقفّى ؟ - ما قدّمته جاهدة وهبة يعد من أجمل التجارب الفنية التي أنجزت في الفترة الأخيرة ، و لا شك أن طلاوة أدائها جعلت الجمهور يستسيغ و يحب ما قدمتّه و يشعر به بالرغم من صعوبة النصوص المغنّاة ، بالنسبة لي أعتقد أن مقياسي لاختيار كلمات أغنياتي هو مدى احساسي بهذه الكلمات و شعوري بقربها من الجمهور ، ففي ألبومي الجديد أغني قصيدة من كلمات الشاعر الكبير المرحوم "جودت حيدر" و الملقّب يشكسبير العرب ، أما باقي الأغنيات فهي باللهجة العامية و قد تكون قريبة للجمهور - بمناسبة الحديث عن ألبومك ، ألا تعتقدين أنك تأخرت كثيرا في طرح أغنيات خاصة بك ؟ - نعم هذا صحيح ، ربما لأني أشعر دوما أنني هاوية للفن كما قلت لك ، و لأنني شخصيا استمتع بأداء الأغنيات التي أقدّمها لكبار الفنانين ، لكن العديد من المحيطين بي من الأساتذة و الأصدقاء استحثوني كي أقدّم أغنيات خاصة بي ، و هو ما فعلته حين بدأت باستشارة العديد من الأشخاص الذين أثق بهم لاختيار كلمات و ألحان ألبوم " القضية المنسية " الذي أنجزته بالفعل و سيطرح في مطلع شهر ايلول القادم ، و سأقوم بعدها بجولة فنية استكشافا لآراء الجمهور في هذه التجربة ، للوقوف على نقاطها الإيجابية و السلبية و الاستفادة من ذلك في الأعمال التالية - و ما الدول التي ستشملها تلك الجولة ؟ - سأقيم حفلات في لبنان و سوريا و مصر ، و كذلك في "Cups and Kilos" في الأردن - أصيب عدد من الفنانين الملتزمين باليأس بسبب عزوف قطاع واسع من الجمهور عن أعمالهم ، و هو ما جعل بعض منهم يتجه الى تأليف و عزف الموسيقى الغربية فقط مغازلا بذلك الجمهور الغربي ، و هناك عدد آخر حاول أن يجد مساحة وسطى بن الفن الملتزم و الفن التجاري ، هل تتوقع مي نصر أن تتجه لأحد النموذجين ان أصابها داء اليأس ؟ - أولا دعني أوضح أن ليس كل من توجّه للموسيقى دون الغناء كان بسبب اليأس فقط ، فثمة العديد من الفنانين الملتزمين الذين رأوا في مرحلة معينة أنهم أعطوا الغناء قدر استطاعتهم ، و رأوا أن التوجه لتأليف الموسيقى المنفردة إنما هو تطور طبيعي لمرحلة تلحين الأغنيات ، و هناك من أصابه اليأس بالفعل ، لكن بالنسبة لي فأنا لست مستعدة للمساومة على نوعية الفن الذي أقدمه مهما كانت الظروف لقناعتي المطلقة أن الفن رسالة في المقام الأول لا وسيلة للتربّح ، و هناك المئات من التجارب الفنية التي لا نستطيع سوى أن نرفع لها القبعات لتمسّكها بأداء الفن الراقي يالرغم من كل المغريات المحيطة بها . - أخيرا ماذا تقولين لجمهورك ؟ - اقول لهم ان كنت قد حققت نجاحا فهو بسبب تشجيعكم و وقوفكم الى جانبي ، و هو الذي سيظل بالنسبة لي حافزا كي أقدّم لكم الفن الذي تحبون ، لا أزال في بداية مشواري الفني و أتمنى أن أبقى على الدوام عند حسن ظنكم . |