معين بسيسو

 

الميلاد

هذه الريح وهذا الجبل

وأنا والمنتهى والأجل

والجناحان وليلي قفص

والسياج الأبيض المكتحل

أيّ أنغامي الذي يسمعني

قمم تعزف فيها السّبل

والذي تبصر عيني غصنا

والذي يبصر عيني طلل

هذه الريح وهذا الجبل

وأنا والمنتهى والأجل

حطب يبحر في النهّر وفي

صدره النّار التي تشتعل

نسي الرفش عليه أثرا

ذكر الحطّاب فيه البلل

فعلى أيّ تراب تنحني

هذه الشمس التي تبتهل

وعلى كلّ تراب صنم

وعلى كلّ سماء بطل

هذه الريح وهذا الجبل

وأنا والمنتهى والأجل

والطريقان وحبّي أثر

أتخطّاه وسيري ملل

والتي قد رحلت في أثري

لم تعد منه وعاد الأمل

أشموعي والجى يذرفها

فصباحي أنجم تنهمل

والنّدى الإنسان في سنبلة

حلمه في ساقها يقتتل

هذه الريح وهذا الجبل

وأنا والمنتهى والأجل

وظلالي أدمع يسكبها

وقيود قد رماها الجبل

يوم ميلادي الذي قد نزلت

فيه أيّامي وأهلي نزلوا

نصبّوا لي شمعة تحرسني

ومشوا في ضوئها وارتحلوا

فإذا دقّ بصدري نفس

قرعوا أجراسهم واعتزلوا

هذه الريح وهذا الجبل

وأنا والمنتهى والأجل

ها هي النار مشت صخرها

في التماثيل دما يشتعل

دثرّي جرحي فلا تطفؤه

كلّ ريح جرحها مندمل


نافذة الكهف

في مكان ينهار فيه الجناح

وتسوق الزمان فيه الرياح

ويفوح النسيان ألهثه الموت

كأفعى قد ألهثتها جراح

ويخاف السكون منه كطفل

علقت في ثيابه الأشباح

كوكب ترصد النهاية عيناه

ولا شاطىء ولا ملاّح

ليس فيه من الحياة سوى الليل

ضريرا يقوده مصباح

وصحارى من العواصف تلتفّ

عليها من اللّظى أدواح

وسماء من الخرائب تجتاح

سماء نجومها أرواح

صور من براعم الموت فاحت

في عيون دموعها أقداح

ليس تدري آفاقها من شذاها

أين يهوى المجداف والإصباح

وهي ما أورق الفراغ دلاء

وهي ما أجدب السكون رماح

***

أنا في النهر صورة كسرتها

يد أعمى خياله لمّاح

فتماسكت عالقا بظلاّ لي

وهي تطفو كأنها ألواح

وتلفتّ والرجاء غراب

ضلّ , واليأس طائر صدّاح

والمصبّ العملاق أعور كالشمس

قد اجتاح رأسه مجتاح

وحرام على المصبّ ابتلاعي

وأنا منه جدول فوّاح

فنيت قوتي ومات خريري

ودعاني هديره الصيّاح

فتلعثمت ثمّ ناديت لبّيك

وجدّفت والهوى فضّاح

وإذا النّهر والرّياح دموع

في مآقيه والخرير نوّاح

نفضته أعماقه وتغشّى

ضفتيه من الضباب وشاح

فجرى عاصفا وحوّل مجراه

شتاء مزلزل وكفاح


دقت الساعة

ليس ذنبي إن كان للنور قبر في بلادي وللمكافح قبر

وتفشّى الظلام كالداء لا يوقف طوفانه المدمّر فجر

إنّني أكتب الحقيقة لكن ثورة الحق في بلادي كفر

قلمي في الحديد في ظلمة السجن طريح مكبّل لا يصرّ

نفسي حائم يفتّش في الظلمة عن منفذ ولا يستقرّ

أبدا أرفع العيون إلى الباب ولا حامل شعاعا يمرّ

وإذا ما سمعت دمدمة الريح تدوّي قلت العواصف كثر

سوف تجتاح حائط السجن يوما

فوراء القضبان يلهث حرّ

غير أنّ الأيام تمضي وتمضي

وأنا شمعة تذوب وفكر

وأمدّ الأنفاس مدّ فريق

أين من موجه الشديد المفرّ

أين شعبي لقد تذكّرت أنّي

لي دين في عنقه لي عمر

أين أنفاسه تحطّم قيدي

أين ثاراته أما لي ثأر ؟

إنّ شعبي العملاق في القمقم مثلي وفوقه الليل بحر

ويعاني الذي أعاني وهل يفرح نسر وفي السلاسل نسر !

وهو لا بدّ حاطم قيده الأسود يوما والنصر يتلوه نصر

فإذا الصرخة الكبيرة تدوّي

وإذا العالم المقّيد حرّ

البساط الكبير يفرش للظافر قومي إفرشيه فاليوم خمر

وغد نحن من صنعنا غد العالم عمّدانه الأيادي الحمر

للملايين يفرحون به العمر فما فيه ظلمة أو قفر

قد جعلنا الإنسان أثمن ما فيه له الأرض والسماء مقرّ

وجعلناه كالرياح طليقا غده في يديه نور وزهر

غدنا أيها القريب لقد أوشك يمشي على الطريق الفجر

نحن لن نترك السلاح وفي الأرض أسارى وآسرون وأسر

ساومونا على الحياة كما شاؤوا وما للحياة سوق وسعر

وإذا ما صلاهم قلم الحر شعاعا يلقيه في الأرض فكر

صرخوا صرخة الغراب على الجيفة واستنسروا وكرّوا وفرّوا

ثمّ صاحوا بالشعب وهو دموع عتقّت في كؤوسهم فهي خمر

إنّ تمثالك المقدّس يا شعب حطام بكلّ أرض يجرّ

قتلوه فخذ بثأرك يا شعب فللميّت المقدّس ثأر

غير أنّ الذي ينادون سدّت أذنه الريح والصّباح الأغرّ

وعلى ضوئه تراءى له الوحش وقدّامه الضحايا الكثر

أيها الشعب أيها الميت الحيّ بأرض منها القبور تفرّ

هكذا تصنع النعوش لكي ترقد فيها وأنت يا شعب زهر

خالد العطر مثقل بندى الفجر ولكن لا يطرد الجوع عطر

هكذا قدّروك ميتا على الأرض وأيامهم لشمسك قبر

يمضغون السنين من عمرك النضر ويلقونها ومالك عمر

أنظر الصين كيف ثارت على الموت وفي الصين للملايين نصر

كيف هدّت جدران معبدها الرحب وفيه الأصنام بيض وصفر

صرخات العبيد في أذنيها

جمعت فالعبيد بعث ونشر

ورياح تسوقها مثلما ساق الدهور البطاء في الأرض دهر

ضربت موعدا له أمم الأرض فطارت به الجياد الحمر

دقّت الساعة الرهيبة وانشقّ عن المارد المخدّر ستر

أسندته إلى الجدار الأعاصير كسكران نال منه السّكر

وشظايا الكؤوس غائصة فيه كما غاص في حشا الأرض جذر

نسمات الصباح يا حلم التائه يمشي والقفر شوك وجمر

بلّلي وجهه وشدّي خطاه

فطريق الكفاح صعب ووعر

ملأته الأشواك والدم والدمع ولكّنه الممرّ الممرّ

أيها الشرق كان ظلّك في الأرض سحابا يمرّ ما فيه قطر

تشرب البوم من جداولك الخضر وتروى وليس ترويك بئر

أورثوك القيود عن صنم مات فأشقاك في حياتك قبر

هم لصوص التاريخ كم سرقوا منه شعوبا مصّوا دماها وفرّوا

وهم المالئون أرض أمانيك ظلاما يضلّ فيه الفجر

غير أنّ الحياة أقوى من الموت ولن يهزم الحياة القبر

هي كالبحر مدّها الأمل الهادر طول السنين واليأس جزر

يكشف الصخر حين يرجع بالموج ولن ينجي الغريق الصخر


المهاجرون

أخي في الكفاح أخي في العذاب

أتسمع مثلي عواء الذئاب

تفزّع أطفالنا النائمين

وتنذر أحلامهم بالخراب

ويفتح أعينهم في الظلام دويّ الرصاص ولمع الحراب

وتخنق صرخاتهم كالنّجوم إذا خنقتها حبال السحاب

ولكّنه سوف يأتي الصباح ويكسر أبواب هذا الضباب

يضيء لنا أرض آبائنا

وأرض طفولتنا والشباب

فتورق آمالنا كالغصون وكانت جذورا ببطن التراب

فقم وادع مثلي ليوم الخلاص وميلاد تلك الأماني العذاب

وإن قيدّوك وإن عذّبوك وإن هدّدوك بشرّ العقاب

فلا تستكن يا ابن هذا التراب أمام وحوش الحياة الغضاب

بل اغرس قيودك في صدرها

كما غرست فيك ظفرا وناب

وإنّ وراءك شعبا يصيح وإنّ أمامك فجرا مذاب

أخي يا ابن هذا التراب الحزين أتسمع مثلي أنين التراب

وقد ملأته جيوش العراة أسارى الرغيف سكارى العذاب

يشدّهم الغاصب المستبدّ كما شدّت العنكبوت الذّباب

يخدّرهم بفتات الرغيف ويسكرهم ببقايا الشراب

ويسكنهم هاويات الخيام ويلبسهم باليات الثياب

طريقهم ملأتها القبور ورنّت بها ضحكات الغراب

ولكنّ خلف دجاها الكئيب تطلّ نوافذهم والقباب

وهم يرفعون إليها العيون ولا يملكون إليها الذهاب

وهم والليالي تنسّي الغريب وتلقي على الذكريات الحجاب

مضوا يحفرون بدمع العيون ودمع القلوب طريق الإياب


لتقرع الأجراس لبلادي

تحجّري يا صيحة الخناجر العريانه

وراية الخيانه

فلن تجرّ بالسلاسل الخيام والمعسكرات

لن تجرّ أمهات

شعبي ومن شعورهنّ من عروقهنّ

في يديك كالحبال

إلى مسيرة الفناء

مخالب البنادق التي أطلقتها كالوحوش

على ربيعنا الذي يعيش

في الصدور لؤلؤا في الصدف

أتحلمين !

وأنت في إغماءة المطاف

أن تكسري الأصداف

وتقطفي من الصدور لؤلؤ الربيع

لكي تزيّني به صقيع

نيران " شاهك " القزم

أتحلمين !

أن تسحبي نابلسنا حديقة الثوّار

وزهرها الذي يذوذ نحلك المزّيف المشؤوم

في قلبه شذاه لا يفوح

أتحلمين !

أن تسحبي نابلسنا حديقة الثوّار

أن تسحبي سلفيت

بما غزلت من خيوط عنكبوت

أن تكنسي الشرر

تقدحه أقدامنا العريانة العطشى على الطريق

أن تحرقي أحلام إخوتي الذين يحلمون

في " الجفر " بالخيانه

راكعة عريانه

معصوبة العيون

وظهرها إلى الجدار

وحولها دماؤها وحول

من قلبها تسيل

أخي وصيحة الخلاص

قد أوشكت تضيء والأغلال

على معاصم الثوّار تحتضر

والرصاص

في بنادق العصابة السوداء ينتحر

فلتشرق الرياح

في أجراس شعبنا , لشعبنا فلتقرع الأجراس

 

 

This Page is built by MWK3 Site Builder