مختارات من شعر فدوى طوقان 

رجاءً لا تمُتْ

يا أخا الروحِ رجاءً لا تمُتْ

أو فخُذْ روحي معك

ليتني أحمِلُ عن قلبكَ ما

يوجع قلبك

لو ترى كم رفع القلبُ إلى اللّه

صلاة القلب كي يشفي بروح منه جُرحَك

يا أخا الروح رجاءً لا تمُتْ

نقطةُ الضوءِ بعمري أنت

نبراسي المضيء

ابْقَ لي أرجوك

ابْقَ الضوءَ والنكهةَ والمعنَى

وأحلى صفحةٍ في سِفْر شِعري

وّجَت آخرَ عمري

حلمٌ

حلمتُ...

رأيت قصائد قلبي التي لم أقلها

تموت واحدة بعد أخرى

حزنتُ... وقمت إليها

ألملمها جثثًا ورفاتْ

بكيت عليها وغسلّتها بالدموعْ

وسلّمتها لمهب الرياحْ

رجعت بخفي حنينْ

بكفين فارغتين

وظل شرود حزين يدبّ على مقلتيّ

وذكرى

بنيتُ لها معبدًا يتهجدُ قلبي لديه

ويضئُ الشموع

لذكرى قصائد ماتتْ

وليس لها من رجوعْ


في مصر

 

يا مصر ، حلم ساحر الألوان ، رافق كل عمري

كم داعبت روحي رؤاه فرفّ روحي خلف صدري

حلم كظل الواحة الخضراء في صحراء قفر

أن اجتلي هذا الحمى . . . واضمه قلباً وعين. .

واليوم ، في حلم أنا ، أم يقظةٍ ، أم بين بين !؟

صدحت بقلبي إذ وطئت ثراك أنغامٌ سواحر

فكأنما في قلبي المأخوذ غنّى الف طائر

وغرقت في أمواج إحساسٍ بعيد الغور فائر

أأنا هنا ؟ في مصر ، في الوادي النبيل ؟!

أأنا هنا في النيل ، في الأهرام ، في ظل النخيل ؟!

وتلفتت عيناي في دهشٍ ، وفي لهف غريب . .

ماذا ؟ هنا الدنيا الخلوب تثير أهواء القلوب . .

ماذا ؟ هنا نار الحياة تؤجّ صارخة اللهيب . .

في كل مجلىً فتنةٌ رقصت ، وسحرٌ مدّ ظلّه

ماذا ؟ أمصرٌ أم رؤى أسطورةٍ من ألف ليله!؟

كيف اتجهت تجاوبٌ وصدىً لموسيقى الوجود

في النيل يعزف لحنة الأبدي للشط السعيد

في وشوشات النسمة المعطار ، في النخل الميود

حتى النجوم هنا أحسّ لهنّ الحاناً شجيّه

حتى السحاب أخاله تحدوه موسيقى خفيّه

يا مصر ، بي عطش الى فرح الحياة . . الى الصفاء . .

يا مصر ، نحن هناك أمواتٌ بمقبرة الشقاء

لا يطمئن بنا قرارٌ . . . لا يعانقنا رجاء . . .

لا شيء إلا ضحكة الهزء المرير على المباسم !

كالضحكة الخرساء قد يبست على فك الجماجم!!

نفسي مصدّعة . . فضميني لأنسى فيك نفسي

قست الحياة وأترعت بمرارة الآلام كأسي

والظلمة السوداء مطبقة على روحي وحسي

فاحني عليّ وزوّديني من مفاتنك الجميله . . .

هي نهزة لم أدر كيف سخت بها الدنيا البخيله !

يا ليتني يا مصر نجم في سمائك يخفق

يا ليتني في نيلك الأزليّ موجٌ يدفق

يا ليتني لغزٌ ، أبو الهول احتواه ، مغلق . . .

تهوى وتنسق الدهور مواكباً ، وأنا هنا

بعض خفيٌ من كيانك لست أدرك ما أنا !!

يا مصر حلم ساحر الألوان رافق كل عمري

كم داعبت روحي رؤاه ، فرف روحي خاف صدري

حلم كظل الواحة الخضراء في صحراء قفر

أن أجتلي هذا الحمى وأضمّه قلباً وعين

واليوم في حلم أنا ؟ أم يقظة ؟ أم بين بين ؟!


الروض المستباح

أين الغناء العذب يا طائري

تسبق فيه كلّ شادٍ طروب

وأين أفراح الصبّا الزاخر

باللهو ، أم أين المراح الدؤوب

مالك تلقي نظرة الحائر

يريد يستجلي خفايا الغيوب ؟

وما الذي في قلبك الشاعر

قل لي ، فإن البثّ يشفي القلوب

ما ترى حولك همس الورق

يسكبه في أذن الجدول

كأنه نجوى محبٍ سرق

هنيهةً من غفلة العذ ّل

والزّهر الرفاف إما عبق

عبيره يسري مع الشمأل

وهذه الدنيا ، وهذا الألق

فمتّع النفس ولا تهمل

بين الفراشات وزهر الربيع

هيمنة الصبّ ، إذا يعتب

ويح الفرشات ، هواها خدوع

تلهو بهذا ، و بذا تلعب

كم توهم الزهر هيام الولوع

و قلبها يا طائري قلّب

فيها إلى التبديل طبع نزوع

و الطبع غلاّب فما يغلب

وهذه الوردة ذات الرّواء

كم تشتهي لحنك في حبها

بلبلها اليوم إليها أفاء

وأرسل العطر إلى قلبها

وفيّ لها ، تلقى الوفاء

أجمل ما تهداه من صحبها

غنّّ ومتّعها بهذا الصفاء

أو ، لا، فلن تنجو من عتبها

سوا عجبي ! صمتك رهيب

يا طائري ، ضمّن معنى الحذر

ترمي بلحظ الصقر نحو الدروب

كأنما أنذرت منها بشر

ما تأتلي ترقب كالمستريب

أشعر من حوليه وشك الخطر

أقعى ، على أهبته للوثوب ،

في كبرياء تتحدّى القدر!

ماذا أرى ؟ هذاك (بومٌ) غريب

منطلق ، حبهم المحيا ، وقاح

يحوم في الروضة حوماً مريب

غدوّه متّهم .. والرواح

يطلّ من عينيه قلب جديب

لكنه أرعن ، فيه جماح

اقتحم الباب اقتحام الغصوب

وجاس في الروض طليق الجناح !

عيناه إذ ر أرأتا جمرتان

قد شبّتا ، ما تطمعان الكرى

عن وكرك المطول لا تحسران

تطلّــعاً يا طائري منكراً ..

أشرع منقاراً كحد السنان

مضاؤه ، ملتويـــاً أحمرا

ومخلباً يصرع قلب الأمان

يا ضيعة الوكر وقد أشهرا

ما شأن ذيّاك الدعيّ الدخيل

في الروض ، والروض حماك الحبيب

وكيف يغدو مستباحا ذليل

أو غرضاً يرمي بسهمٍ غريب

أغضيت عن روضك دهراً طويل

يا طائري ، مغرىً بحلم كذوب

واليوم تصحو عن خيالٍ جميل

مضى مع السّحرة ، غبّ الهبوب !

أنفض جناحيك من الرقدة

يا طائري ، أخشى عليك المصير

لا تمكن (البوم ) من الروضة

أرى لذاك (البوم ) شأناً خطير

أضبّ اليوم للوكر على شرّة

فيما أراه ، وأذى مستطير

عليك بالحذر ، فكم غفلة

يؤخذ منها المرء أخذاً نكير

ويلك ، لا تأمن غريب الديار

فخلفه من مثله معشر

يا طائري ، إنّ وراء البحار

مثل عديد الذرّ لو تنظر

تربّصوا في لهفة وانتظار

ودبّروا للأمر ما دبّروا . .

تحفزهم تلك الأماني الكبار

وأنت أنت المطمع الأكبر


العودة

وأطلّ وجهك مشرقاً من خلف عام

عام طويل ظلّ في عمري يدب كألف عام

عام ظللت أجرّه خلفي وأزحف في الظلام

وعواصف ثلجية تصطكّ حولي والطريق

كانت تضيق كأنها أمل يضيق

ويضيع في تيه القتام

عام طويل ظلّ يفصلنا به بحر صموت

بحر دجت أمواجه و تجمدت ، بحر تموت

فيه الحياة و تغرق الجلجات في برد السكوت

و أنا على شط الأصم

أنا و الفراغ و ليل وهمي

أصغي لعل صدى يمر

بي ، علّ شيئاً منك ، همس ، نبأة ،

شيئاً يمر

بي منك عبر مدى السكوت

لا شيء ، إلا وطأة ثقلت و صمتٌ مستمر

عام ، و دبت بعده بعده في البحر معجزة الحياة

لم أدر كيف ، هناك رفّت بغتة فوق المياه

و هفت حمامه

زرقاء ، في طهر السماء ، هفت إلي على غمامه

و طوت جناحيها وقرت في يديه

و رنت إليه

و تنفست دفئاً و عطراً

و شممت فيها منك شيئاً هاجني وجداً و ذكرى

فمضيت ألثم ريشها

و جعلت صدري عشها

و شعرت أنك عدت ، أنك في الطريق

و اجتاحني فرح الغريق

حضنته شطآن النجاة

و أطل وجهك من بعيد

حلواً يرف على وجودي

و رأيت أحزاني تموت على تعانق راحتينا

و أضاء في فمك ابتسام

البسمة الجذلى التي أحببتها منذ التقينا

عادت تضيء كأنها قلب النهار

و تصب في نفسي فيشربها دمي

و يعبها قلبي الظمي

و نسيت آلامي الكبار

و نسيت في فرح اللقاء عذاب عام

عام طويل ظلّ في عمري يدب كألف عام


مدينتي الحزينة

(( يوم الاحتلال الصهيوني))

- - -

يوم رأينا الموت والخيانة

تراجع المدّ

وأغلقت نوافذ السماء

وأمسكت أنفاسها المدينة

يوم اندحار الموج ، يوم أسلمت

بشاعة القيعان للضياء وجهها

ترمّد الرجاء

واختنقت بغصّة البلاء

مدينتي الحزينة

*************

اختفت الأطفال والأغاني

لا ظلّ ، لا صدى

والحزن في مدينتي يدبّ عارياً

مخضّب الخطى

والصمت في مدينتي ،

الصمت كالجبال رابضٌ ،

كالليل غامضٌ ، الصمت فاجعٌ

محمّلٌ

بوطأة الموت وبالهزيمة

أواه يا مدينتي الصامتة الحزينة

أهكذا في موسم القطاف

تحترق الغلال والثّمار ؟

أوّاه يا نهاية المطاف !

أوّاه يا نهاية المطاف !


 

 

This Page is built by MWK3 Site Builder