ذاكرة الأطفال قاموس لحروب إسرائيل
د. هاني العقاد
الخامس من حزيران العام 1967 يعتبر يوما خطيرا و قاسيا بالعالم العربي و خاصة على صعيد الصراع العربي الإسرائيلي , وله ذكري مره و قاسية بعقول أبناء الأمة العربية لما جلب معه من نكسة تاريخية مازالت محفورة في عقول الملايين من الشعب العربي . في هذا اليوم الأسود سقطت باقي الأرض العربية بيد قوات الاحتلال الإسرائيلي , و في هذا اليوم دمرت المدن و أبيد الآلاف من البشر و دمرت القوة العربية و وضعت تحت الأقدام الصهيونية و بات الجيش العربي حينها عاجز عن فعل شيء يذكر قياسا مع ما فعلته إسرائيل في ستة أيام من الحرب و احتلت فيها الضفة الغربية و الجولان و غزة و أراضي لبنان و شبه جزيرة سيناء. كان أبي في ذلك الوقت مقاتلا في صفوف الجيش الشعبي و كانت بندقيته أثقل مما اقوي على حملها لكنى حاولت العديد من المرات ولم يكن على دراية بذلك ولم يرغب هو ذاته في تحميلي هم قد يطول .
قبل الحرب بأيام كان التوقع بالهجوم , لذا عمد والدي و شباب الحارة لحفر ملجأ تحت الأرض في باحة منزلنا القديم و كنت حينها ألهو معهم دون قراءة ما في عيونهم من خوف . في الليل حملنا كل ما نحتاج مع الأم و وضعناه في الملجأ لكنا نمنا تلك الليلة بالبيت كالعادة وحدنا دون وجود الوالد لأنه يبدو أنه كانت لديه مهام ما , في الصباح خرجت كعادتي للهو تحت شجرة الجميز كبيرة الجزع لأشاهد عائق الدبابات الواقع أمامها و ما كدت أجلس على جزعها حتى بدأت القذائف الإسرائيلية تتساقط علينا كالمطر , لم أخف حينها إلا عندما رأيت الشباب تجري هنا و هناك للاختباء بالملاجئ , فهرولت مثلهم إلى الملجأ و توليت مسؤولية البيت لأنني لم أري والدي ولم يكن عندنا ليوجهنا كالعادة إلا بعد ساعات عندما جاء لوداعنا لدقائق . ازدادت حدة القصف و كنت أسمع صوت القذائف تتطاير من فوق رؤؤسنا لأننا كنا قريبين من معسكر الشقيري و كلما سقطت قذيفة أو صاروخ أحدثت صوتا رهيبا ترتج الأرض بفعله و يسقط رمل سقف الملجأ فوق ظهري . لم تكد تمر ساعات حتى جاء ولدي ببزته العسكرية و بندقيته الآلية و لون وجهه الأسود و بنطاله الممزق ليقول لنا وداعا و خرج ,و ما هي إلا جزء من الدقيقة إلا وسمعنا صوت قذيفة تنفجر بالقرب منا و صوت والدتي تقول "يا رب تستر" خارجة لتبحث عن أشلاء والدي , طمئنها الناس بأنه قد نجا و هرب لكننا لم نعد نعرف أخباره لأيام طويلة فلا نعرف إن كان قد التحق بركب الشهداء أو غادر مع من غادروا إلى الأراضي المصرية خوفا على حياتهم من مذابح اليهود. بعد بضع ساعات قال الناس أن الدبابات العربية ترفع الأعلام العربية تدخل المدينة , وبالفعل نهضت من مكاني لأري النصر العربي و يا ليتنى ما رأيت شيئا فقد رأيت جنودا مدججين بالسلاح و المدافع ملامحهم ليست عربيه و لهم وجوه قاتلة محتلة و هذا تأكد عندما منعوا النساء من إصدار الزغاريد و أطلقوا النار عليهم , حينها أدركنا أن اليهود قد دخلت البلد بالفعل و سقطت المدينة عدا بعض جيوب المقاومة التي تقودها الثورة الفلسطينية و بعض المتطوعين العرب من الجيش النظامي الذين أبو الاستسلام . هنا تطلب الأمر أن نغادر المدينة و نذهب إلى مكان أكثر أمنا و بالفعل قادتنا أمي إلى "المواصي" حيث يتواجد أخوالي و عائلاتهم في مناطق منخفضة لا تصلها القذائف , و ما لبثنا الوصول هناك حتى بلغنا خبر استشهاد خالي و إصابة العديد من الأفراد بعد قصفهم بالطائرات و هم في طريقهم لإحضار بعض المواد التموينية , شاهدت النساء تبكي بصمت و شاهدت المصابين وأحسست بآلامهم و جروحهم في جسدي و رأيت الخوف الحقيقي في وجوه باقي الأطفال في ذلك التجمع . لم تنتهي الحرب بعد ستة أيام ولا شهر ولا شهرين ولا عام ولا عشرات السنوات , أما المقاومة فقد استمرت ليل نهار, و كانت المدن محتلة بالنهار و محررة بالليل و هذا ما حال بيننا و بين الرجوع إلى بيتنا بالذات لعدم صلاحيته للسكن .
إن كانت هذه ذاكرة طفل في الخامس عشر من حزيران 1967و بعد أكثر من أربعين عاما , كم يوما من أيام الحروب والمعاناة و الخوف من المحتل سجل إلى جانب ذلك اليوم ؟ ... وان كانت هذه الذاكرة لطفل يسكن قطاع غزة فما بال الأطفال الآخرين في بورسعيد و السويس و لبنان و سوريا و الأردن و الضفة الغربية و إن كانت هذه ذاكرة طفل خلال حرب 67 فما بال الحروب المختلفة امتداد الصراع , من اجتياح بيروت و مذابح صابرا و شاتيلا مرورا بالانتفاضتين الأولى و الثانية و حرب التهجير من القدس و حرب مصادرة الأراضي و البيوت العربية و طرد ساكنيها و مالكيها العرب منها بالقوة العسكرية , و ما بال الأطفال الذين سجنوا و عذبوا في أقبية التحقيق الصهيونية و قضوا طفولتهم بالمعتقل و ما بال الأطفال الذين شاهدوا أبائهم و أخوانهم وأمهاتهم يحرقون بالفسفور الأبيض و الآخرين تدوسهم جنازير الدبابات الإسرائيلية و ما بال الأطفال الذين عاشوا أربعة أو خمسة أيام مع جثث أمهاتهم و أخوانهم خلال حرب غزة الأخيرة.
السؤال الذي يطرح الآن إلى متى ستبقي ذاكرة أطفالنا وذاكرتنا قاموسا لمفردات حروب إسرائيل و جرائمها ؟ و إلى متى ستبقي حقوقهم وحقوق شعبهم منتهكة ؟؟ و إلى متى ستبقي الأجيال تتوارث المعاناة و الاحتلال و الممارسات الصهيونية العنصرية ؟ الجواب سيبقي هو الجواب ...مادام الاحتلال قائما بأدواته الحربية و غير الحربية , لكن مهما نالت حروبه من الأرض و الشعب فإننا نقول أن الشعوب تبقي أقوي من الحروب مهما كانت أدواتها و شراستها فالأرض تبقي عاصية على محتليها تلعنهم و تمقتهم و تطاردهم و تطردهم كلما داسوا عليها بأقدامهم النجسة.