صرعة التصنيف الإسرائيلي للمساكن.. حان الوقت لوقف سياسة هدم المنازل في القدس العربية!!
المحامي ابراهيم شعبان
خرجت علينا بلدية القدس المحتلة في آخر صرعة للأنباء المخدرة إذا صدقت, بانها تدرس تصنيف البناء في القدس العربية والذي لم ينل مباركة اللجنة اللوائية ولا اللجنة المحلية عبر رخصة منها, والمعرض للهدم من قبلها, بأن وصفته بأنه بناء رمادي فلا هو بالأسود ولا بالأبيض, ولكنه يحمل صفة عدم المشروعية في ذات الوقت. ويستمر تصنيفه بأنه بناء غير قانوني لمواطن فلسطيني مغروس ومنزرع هنا, ولكن بركات بلدية القدس ستهل عليه فستتوقف عن هدمه واستيفاء الغرامات من صاحبه, وتطالبه بضريبة الأرنونا وضريبة التحسين وما إلى ذلك.
الأمر ابتداء فكرة غامضة وكلام صحف قد تتحقق وقد لا تتحقق, فهي مجرد إرهاصة قد لا تخرج إلى حيز الوجود وقد تخرج. ولا يستبعد أن يكون الأمر كله إبرة مورفين أو حبة فاليوم مؤقتة. فبعد الإحتجاجات الدولية والمحلية القوية والمستمرة والمتنامية على البلدية الإسرائيلية وسياستها الهدامة تجاه المساكن العربية أرادت السلطات الإسرائيلية أن تمتص هذا الضغط العالمي والمحلي وتفرغه من محتواه حتى لا يتحول إلى أمر أكبر يشكك في مشروعية الإحتلال برمته وينكر أية شرعية لإجراءاته ويرفض الضم الإسرائيلي بكل أشكاله وصيغه. وبخاصة أنه لا يوجد دولة من دول الأمم المتحدة لها سفارة في القدس, ولا يوجد دولة تعترف بالضم الإسرائيلي لمدينة القدس العربية إلى الأبد المحتلة مؤقتا.
وحتى لو تم العمل بهذا التصنيف الرمادي غير المسبوق للمنازل غير المقامة بإذن البلدية فإن جزءا من المنازل هذه سيبقى معرضا للهدم والملاحقة القضائية والمحاكمة والغرامة والسجن. فهذه التصنيفات العجيبة الغريبة لن تعدم السلطة الإسرائيلية المحتلة العذر والمبرر للهدم والملاحقة, فهي تلاحق المواطنين المقدسيين منذ أكثر من أربعة عقود وما زالت. وهي تلاحقهم ليس في البناء فقط بل في جميع صعد الحياة المختلفة والمتعددة. وهي لا تخجل من هذا الأمر حين تصرف مئات ملايين الشواقل التي تجمعها من غرامات البناء التي تفرضها محاكم الإحتلال على غربي القدس بدلا من شرقيّه الذي يحتاج إلى كل قرش لتحسين البناء الخدماتي لديه.
ومنذ نهاية شهر حزيران من عام 1967 تقوم بلدية القدس بسياسة تمييزية فاضحة تجاه المواطنين الفلسطينيين الذين وجدوا أنفسهم تحت قبضة الإحتلال الإسرائيلي. يشاركها في هذه السياسة التمييزية الواضحة أجهزة السلطات الإسرائيلية الأخرى. فرغم أن السياسة الإسرائيلية الرسمية تتبنى مقولات القانون وتطبيقه على شطري المدينة, والمساواة مع غربي القدس في الخدمات والبنى التحتية, إلا أن هذه المقولات ما هي إلا أضغاث أحلام. بل إن سياسة البلدية الإسرائيلية هي بشكل واضح وفاضح تفريغ المدينة من مواطنيها الفلسطينيين وإحلال الآخرين محلهم في سياسة تطهير عرقي واضح وباد للعيان.
وإن كنتم في شك مما أقول فنظرة عابرة أو مدققة للقدس العربية وأوضاعها كفيلة بجواب حاسم وقاطع. بلدية القدس تجبي من المواطنين الفلسطينيين مئات ملايين الشواكل ولا تصرف إلا القليل القليل فهي تصرف فقط في حدود خمسة بالمائة من ميزانيتها لسكان هم يشكلون وفق الإحصائيات الإسرائيلية 35% من السكان. منطق معكوس ومقلوب فبدلا من أن تسخر بلدية القدس المحتلة نسبة النصف من موازنتها مثلا لسكان القدس العربية لأنهم الأحوج وفق الدراسات الإسرائيلية تقوم بتقليص نفقاتها وتفرض عليهم غراماتها. لماذا لا تعلن بلدية القدس عن موازنتها للجزء العربي من المدينة؟ ألا تعلن البلدية صباح مساء عن إغلاق شارع أو إغلاق للبلدية في الأعياد اليهودية أو عن نسب الأرنونا فلماذا لا تعلن عن موازنتها لشرقي القدس, أم أنها تعلم سلفا أن مثل هذا الإعلان سيدينها وسيبين كم تتبنى البلدية سياسة تمييزية ضد المواطنين العرب؟!
أنظروا ودققوا معي تصريحا لنائب رئيس البلدية الذي قال فيه أن ثمانية عشر ترخيص بناء من البلدية صدر للمواطنين العرب في عام 2008 وأن الفرد يجب أن يكون قديسا لينال هذا الخير العميم. وبعد هذا يحاكم المواطنون الفلسطينيون البالغ تعدادهم ما يقارب الثلاث مائة ألف فلسطيني بخرق قانون التنظيم والبناء الإسرائيلي بحجة البناء غير المرخص. هذا أمر لم يحصل في أي زمان ولا في أي مكان سوى في القدس العربية تحت الإحتلال الإسرائيلي.
البلدية الإسرائيلية استولت على القدس العربية منذ أكثر من أربعين عاما حينما كانت مساحتها ستة كيلومترات ونصف مربعة ووسعتها إلى سبعين كيلومترا مربعا ورغم ذلك لم تنظم كثيرا من أحيائها حتى اليوم فهل هذا معقول؟. بلدية جعلت مساحة القدس الآن أكثر من مائة كيلومتر مربع ومع ذلك لا يجد الفلسطيني قطعة أرض صغيرة ليقيم عليها بناء صغيرا وإن وجد فسيجد أن تلك القطعة خضراء أو مخصصة لنفع عام أو لشارع.
بلدية القدس بشكل أو بآخر منعت البناء العربي على أكثر من ثلاثة وتسعين بالمائة من الأرض العربية وما زالت تتشدق بالحديث عن الفرص الكبيرة للبناء العربي والذي هو وهم على الورق. بلدية القدس ترفض ان تقبل أي مشروع تنظيم تفصيلي إلا إذا كانت مساحة الأرض التي تحتاج إلى تنظيم أكثر من عشر دونمات, فمن أين يأتي المواطن الفلسطيني بهذه الدونمات العشرة. ويخرج ناطق باسم البلدية عن التسهيلات الممنوحة للفلسطينيين بل قل التعجيزات أو المستحيلات.
بلدية القدس ترفض أي طلب ترخيص من فلسطيني إلا بشهادة تسجيل من دائرة الأراضي أو ما يسمى بكوشان طابو, وهي تعلم أن ذلك ضرب من المستحيل فضلا أنه مطلب عير قانوني. فكل بيوعات الأراضي في القدس العربية هي بوكالات دورية وبإتفاقات وليس بكواشين طابو وإلا دخل حارس أملاك الغائبين وقانونه الجائر على هذه البيوعات والتصرفات لأنه لا بد من وجود شخص وارث خرج خارج البلاد بشكل او بآخر لسبب أو لآخر. بلدية تفكر بشكل شوفيني عنصري وتعتقد أن الفلسطيني لديه جينات وراثية لخرق قانون التنظيم والبناء الإسرائيلي وهو بذلك يستأهل العقاب. ولم ترغب في التفكير للحظة عن قصد أو غير قصد عن المساحات التي تركتها للبناء الفلسطيني. بلدية القدس لم تستطع أن تقدم الصفوف الدراسية الكافية للطلبة الفلسطينيين رغم مسئوليتها القانونية عن هذا الإلتزام. بلدية لم تستطع وعجزت ولم ترغب في أن تقدم حدائق أو مراكز تعليمية أو ثقافية للمجتمع الفلسطيني. بلدية قدمت شوارع هالكة وإضاءة باهتة لشوارع القدس العربية بل هي أسوأ من شوارع رام الله وشتان بينها وبين شوارع القدس الغربية فالمواطنون الفلسطينيون يعاملون كالحيوانات أو ما أشبه.
يشارك في هذا التعجيز مع البلدية الإسرائيلية, وزارة الداخلية الإسرائيلية ووزارة الإسكان الإسرائيلية. فكلتاهما تنكلان بالمواطن الفلسطيني في قضايا البناء فوزارة الداخلية لا تجيز أي مشروع تنظيمي عام للفلسطينيين, فوزير الداخلية إيلي يشاي عن حزب شاس المتدين رفض إقرار تنظيم مئات الشقق في حنوب المدينة. كذلك وزارة الإسكان لم تقم بمشروع واحد يتيم لإسكان الأزواج الشابة منذ عام 1967.
الوزراء الإسرائيليون يتبارون ويتنافسون في التنكيل بالفلسطينيين وهذا التنكيل وسيلتهم لصندوق الإقتراع والفوز بأصوات من هنا أو هناك. في حين أن شركة مجلس الإسكان غير الهادفة للربح استطاعت أن تقدم سبعين مليون دولار للمواطنين الفلسطينيين في شكل قروض ميسرة وبدون فوائد للبناء المرخص. وبني بقروضها أكثر من ألفي مسكن في القدس العربية وسكن في بيوتها أكثر من عشرين ألفا من المواطنين الفلسطينيين. إذا كان القرض ليس من اختصاصك فأين أنت يا بلدية القدس من شركة مجلس الإسكان في تحسين وتطوير بيوت المهمشين الفقراء والأرامل والعجزة؟!!
الإسرائيليون يقيمون المستوطنات ويقيمون آلاف الشقق سنويا في الأراضي المحتلة, وهم في ذات الوقت لا يريدون رؤية بيتا فلسطينيا واحدا يبنى ويشيد في القدس بل يضيقون به ويبحثون له عن عذر ومبرر لهدمه ويفرضون عليه رسوم بناء غير معقولة وغير متصورة. وحتى البناء الذي يستعمل أو يتم استئجاره إذا لم يكن له رخصة يحاكم مستعمله ويغرم بغرامة هائلة قد يصل حدها الأعلى إلى سبعة عشر ألف دولار أمريكي. في القدس تطبق نصوص قانونية ليس لها مثيل في دول العالم في قوانين التنظيم والبناء بل إن هذه النصوص لا تطبق في جميع أنحاء إسرائيل ولكنها تطبق في القدس على المواطنين الفلسطينيين. قد يدهش القارىء لمعرفة أن الحجر يحاكم في القدس العربية حتى لو لم يكن له مالك أو لم تستطع البلدية معرفة مالكه.
تصنيف البيوت الفلسطينية إلى اللون الرمادي أمر خادع وتضليلي, فأسُّ البلاء هو الإحتلال الإسرائيلي للقدس العربية وما تلاه من تطبيق لقوانين وضعت لتفريغ القدس من مواطنيها. فقضية هدم البيوت مظهر واحد من مظاهر الضم وغيره كثير كثير. وستبقى قضية الهدم والغرامات تطل بوجهها البشع القميء ما دامت أنظمة البناء وقوانينه مطبقة في القدس العربية.
يجب أن تتوقف كليا سياسة هدم المنازل الفلسطينية في القدس العربية فهذه أرض محتلة تخضع لميثاق جنيف الرابع, وهذه قوانين غير شرعية للتطبيق فليس هناك بيت رمادي أو أبيض أو أسود. فكلها بيوت مشروعة وقانونية للسكن وأن تقلب صفحة الهدم للأبد, فالضرورات تبيح المحظورات والضرورة لا تعرف قانونا ذلك أن حفظ الذات أول نواميس الطبيعة.