مساجد بلاستيكية في غزة على أنقاض تلك التي دمرتها الحرب

في الطريق إلى عزبة عبد ربه، تلك المنطقة الحدودية شرقي مخيم جباليا للاجئين، كاد مشهد الدمار وأكوام الركام المنتشر على جانبي الطريق، يجعل من تلك المباني القليلة التي بقيت منتصبة، تبدو غريبة في ذلك المحيط المدمر، لكن المشهد الذي استوقفني مشهد دفيئة زراعية، بنيت من اقواس حديدية بطول خمسين مترا، وتم تغطيتها بألواح بلاستيكية وأكياس من النايلون، وكتب على قطعة قماش بيضاء علقت على مدخلها ""مسجد صلاح الدين"".
البيت البلاستيكي هذا هو مسجد منطقة عزبة عبد ربه، فالأهالي هنا لم يجدوا حلا لمشكلة المسجد الذي دمرته صواريخ الطائرات الإسرائيلية، إلا إن يحولوا إحدى الدفيئات الزراعية في المنطقة إلى مسجد، فالخيام التي حصلوا عليها من وكالات الإغاثة الدولية لا تكفي مساحاتها لاستيعاب المصلين، كما إن الصلاة في العراء في ظل أجواء ماطرة بعد الحرب كانت شبه مستحيلة، وكانت أجواء الدفيئة تبدو مواتية بعد ان تم فرش أرضيتها ببسط وسجاد رخيص.
لكن المشكلة هنا هي إن المسجد في ظل هذا الصيف اللاهب، وشمسه الحارقة، يجعل الوضع في داخل هذا المسجد البلاستيكي تبدو كفرن حقيقي،، ولكن ما البديل.
وأعلنت حماس أن الجيش الإسرائيلي دمر ستة وأربعين مسجدا بشكل كلي، و116 مسجدا أخر بشكل جزئي، لكن المشكلة الآن وبعد مرور ستة أشهر على تلك الحرب، هي في إعادة بناء تلك المساجد او ترميم بعضها، فالحصار المستمر على قطاع غزة، منذ عدة أعوام والذي شددت إسرائيل من إحكامه بعد خطف مسلحين فلسطينيين في صيف 2006، للجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط، يحرم الفلسطينيين من فرص البناء والأعمار.
فإسرائيل تمنع إدخال مواد البناء من حديد واسمنت وزجاج وأخشاب إلى القطاع الذي يسكنه مليون ونصف المليون فلسطيني معظمهم من اللاجئين.
أسباب أمنية
وتقول إسرائيل أنها لم تكن تستهدف المساجد لأسباب دينية بل لأسباب أمنية، مبررة ذلك باختباء مسلحين من الفصائل فيها خلال الحرب، وتحويل بعضها إلى مخازن للأسلحة، لكن محمد عبد ربه (33عاما)، وهو احد المصلين في مسجد صلاح الدين البلاستيكي، يقول: "إن هذه كذبة كبيرة فالأهالي هنا يعلمون ان المسجد لم يكن له أبواب ولا شبابيك لحظة قصفه لقد كان تحت الإنشاء، بل ان الأهالي كانوا يعبرون من خلاله لاختصار الطريق بدلا من الوصول إلى مفترق الطرق، لقد دمروه لأنهم لا يردون لنا أن نصلي".
ويقول الشيخ سليمان صلاح، إمام مسجد الخلفاء الراشدين في مخيم جباليا للاجئين شمالي قطاع غزة، والذي دمر جراء قصفه بالصواريخ خلال الحرب، ان المشكلة قد تطول، فحتى لو دخلت مواد البناء فبالتأكيد لن تكون الاولوية للمساجد>
وأضاف قائلا"هناك الاف المنازل المدمرة، والعائلات المشردة بما فيها عائلتي"، يقول الشيخ سليمان، "عدا عن اولئك الازواج الشابة، والذين تأجلت اعراسهم بسبب عدم توفر المأوى لهم، فهل يعقل ان تعمر المساجد وتترك المنازل مدمره؟!"، "سنؤدي صلواتنا في تلك المعرشات البلاستيكية حتى تفرج هذه الكربة ويرفع الحصار".
" .. كنت أتمنى أن أكون بداخله لحظة قصفه بالصواريخ وان أموت تحت سقفه على إن أراه على هذه الحال"، كانت هذه كلمات عارف أبو سيف، مؤذن مسجد الخلفاء الراشدين.
فللمسجد حكاية طويلة مع الرجل بدأت بجمع التبرعات لبنائه وأخرى من اجل إعلاء مإذنته وكاد عملهم ان يكتمل مطلع الشتاء الماضي، عندما وصلت مرحلة تشييده الى مستوى فرش الأرضيات بالبسط والسجاد، لكن الحرب سبقت ذلك، وسوت صواريخ الطائرات الإسرائيلية ذلك المسجد بالأرض، لتتهاوى معه أحلام سكان تلك المنطقة بان يكون لهم مسجد كبير يتسع لهم.
ويقول طالب ابو شعر لجأنا إلى هذه الفكرة، بإنشاء معرشات بلاستيكية وخيم مغطاة بلفائف من النيالون، وشباك الصيد الثقيلة لتحويلها الى مصليات بالقرب او على انقاض المساجد التي دمرت، حل مؤقت لكنه قد يستمر حتى انتهاء الحصار او الى حين السماح بادخال مواد للبناء.
"نحن أطلقنا حملة عالمية لإعادة بناء المساجد المدمرة، ولقيت صدى مهما من قبل مؤسسات وشخصيات وجمعيات إسلامية وعالمية، لكن المشكلة تكمن في ترجمة ما رصد لهذه الحملة، من مساعدات وأموال إلى مواد تصلح للبناء، كيف ذلك والمعابر كلها مغلقة ولا نستطيع إن نجلب كيس اسمنت واحد".