هذا يؤكد بأن الامر بقدر ما هو رهن بحركتي فتح وحماس، قد لا يكون كذلك تماماً، نظراً للتأثيرات الخارجية المباشرة وغير المباشرة، لكن ما يمكن قوله الآن، او تأكيده هو ان السابع من الشهر المقبل، لن يكون محطة حوارية، كمثل تلك المحطات التي سبقتها، وهذا لا يعني بأن هذا اليوم، المفترق، سيشهد اعلان الاتفاق، او اعلان الفشل، اي انه ليس بالضرورة ان يشهد اغلاق الملف، لأنه ببساطة لا يمكن اغلاقه، على ما هو عليه، بل يمكن القول انه في حال عدم اعلان الاتفاق، سيتجه الملف الى وجهة اخرى.
وبالفعل فقد بدأت اطراف عديدة تتحدث عن نقل الملف من القاهرة، العاصمة المصرية الى القاهرة - مقر الجامعة العربية، وربما كانت التحركات السياسية الاخيرة بين العواصم العربية ذات العلاقة: القاهرة - دمشق - والرياض تؤكد هذا المنحى، وآخرها الزيارة المفاجئة للرئيس المصري محمد حسني مبارك للسعودية، اول من أمس.
وربما يكون اهم ما في هذه النقلة المحتملة، ليس نقل ملف المصالحة وحسب الى الرعاية والإشراف والبحث عن الحل العربي، الذي سيكون أقدر على فرض الحل العربي على الفرقاء الفلسطينيين، مما لو تولت مصر وحدها هذا الامر، بما يذكر باتفاق الطائف قبل نحو ثلاثة عقود تجاه لبنان، بعد أن عجز الفرقاء اللبنانيون في ذلك الحين عن وضع حد "ذاتي" لحربهم الاهلية، ولكن نقل الملف الفلسطيني بكل مفرداته، بما في ذلك الملف التفاوضي، ما يرجح هذا التقدير، هو صعوبة ان يذهب الجانب الفلسطيني الى التفاوض مع الجانب الاسرائيلي وظهره مكشوف، اي ووضعه الداخلي ما زال منقسماً، كذلك وجود المبادرة العربية كواحدة من اهم حوافز ومرجعيات التفاوض.
وما يعزز هذا التقدير هو الجدية الاميركية لدفع ملف التفاوض، وآخر مظاهر هذه الجدية، الضغط الاميركي لتجاوز العقبة الفلسطينية التي تصر على اغلاق بوابة الاستيطان، لإقلاع عملية التفاوض، والتي اثمرت ليس فقط على اجابة نتنياهو المتلعثمة فيما يتعلق بالإجابة على المطالبة بحل الدولتين، ولكن ايضاً الاعلان عن تجميد الاستيطان لمدة ثلاثة اشهر.
هذا الموقف الاسرائيلي يبدو على قدر من الاهمية، رغم انه يبدو مؤقتاً، اي يعتمد على صيرورة التفاوض، حيث صار من الصعب على الجانب الفلسطيني ان يرفض التفاوض، بعد الاعلان الاسرائيلي عن الوقف "المؤقت" للاستيطان، وبذلك يحتاج المفاوض الفلسطيني الذاهب الى التفاوض، قريباً، على الارجح، الى إسناد عربي، في حال استمر تعذر تحقق الإسناد الفلسطيني الداخلي.
لا يعني كل ذلك استبعاد احتمال ان تجتاز محطة القاهرة الحوارية بعد اسبوع من الآن، موقعة الحوار بنجاح، وذلك بالنظر الى حدوث متغيرات اقليمية تساهم في فرض او زيادة احتمالات الوفاق الداخلي، وليس فقط ارتباطاً بالموقف الاميركي الجديد. فكما هو معروف فإن العملية السياسية التي انطلقت بمعرفة القاهرة بالمناسبة (منذ العام 5002)، والتي هدفت الى "تطويع" حركة حماس ونقلها من الجهة المقابلة، وإدخالها النظام الفلسطيني، حتى تكون جزءاً فاعلاً فيه، وما نجم عن هذه المحاولة من نتائج عكسية، نجمت عن توقعات حماس من هذه العملية، بالسيطرة على مجمل النظام السياسي، ونقله الى المحور المقابل "الممانع". الآن المتغيرات في محور الممانعة، التحول في موقفي سورية وقطر، ثم "تعايش" حزب الله مع النظام اللبناني، وبعد ذلك مشاكل ايران الداخلية، كلها عوامل تدفع "حماس" للموافقة على التوافق مع النظام الفلسطيني الرسمي، وبالتالي مع النظام العربي.
لن يكون في النهاية أمام حماس من مخرج سوى الذهاب على شاكلة حزب الله على ابعد تقدير، وهنا فقط تكمن المشكلة، في كيفية الاحتفاظ بقوتها في غزة (سيطرتها الداخلية)، تماماً كما يجاهد حزب الله للإبقاء على سلاحه العسكري، في ظل الدولة السيادية، وبالتالي التعايش مع فتح ومع مرتكزات وحتى محددات النظام السياسي الفلسطيني.
وما كل الحديث الذي يدور الآن عن مطلب الافراج عن المعتقلين السياسيين، رغم الرد الفتحاوي عليه بأن يشمل غزة مع الضفة، الا محاولة لحفظ ماء الوجه، وما كل مراوغات اللحظة الاخيرة الا محاولة لتحسين شروط "التعايش" مع الداخل الفلسطيني، خاصة بعد أن خسرت الحركة مصدر قوتها السياسية (تعطيل الفوز الانتخابي وتراجع القوة الانتخابية). كانت ظروف التعايش مع النظام الفلسطيني أمام حماس قبل ثلاث سنوات افضل، لكن الامر لا يقارن الآن بما هو قائم وما كان يمكن تحقيقه في الماضي، بل بما يمكن ان تخسره في المستقبل.
العنصر الحاسم هو جدية واشنطن في دفع الامور الى الحل السياسي، لذا حاولت حماس - عبر خطاب مشعل - أن تجد لها مكاناً تفاوضياً مع واشنطن، لكن هذا يبدو ضرباً من المستحيل، لا يسعفها الوقت ولا الظرف على تحقيقه، لذا فإن "مخرجاً" ممكناً يشير الى قبول الفرصة الاخيرة الآن، ووقف مسلسل هدر الفرص، على الطريقة الفلسطينية التاريخية، قبل ان ينتقل الملف من القاهرة الى القاهرة - ولكن من الدائرة الفلسطينية الى الدائرة العربية.