خرافة التنازلات المؤلمة
د. محمد خالد الأزعر
المستشار الثقافي لسفارة فلسطين بالقاهرة
التنازل مفهوماً ومنطقاً يشير إلي تخلي طرف ما كرهاً أوطوعا عما يُعد حقاً من حقوقه مضموناً له وفقاً لأدوات الشرعية القانونية. عملاً بهذا المعني، لم يسبق لإسرائيل منذ وجدت إلي يومنا هذا أن قدمت أي تنازل للعرب أو الفلسطينيين. وكل ما يطرحه الإسرائيليون من مقولات عن تنازلات مؤلمة أو غير مؤلمة قدموها أو هم بصدد عرضها، لا يعدو كونه دعاية رخيصة، وبدعة مرروها علي من يحازبونهم أو علي من لا دراية لهم بتفاصيل الصراع علي أرض فلسطين ومحيطها الإقليمي.
لو انسحبت إسرائيل من كل الأراضى الفلسطينية والعربية التى احتلتها عام 1967 وعن 20 في المئة من مساحتها قبل ذلك العام، لما كان ذلك منها تنازلاً بالمفهم الحرفى..
ذلك لأن جماع القرارات الدولية الخاصة بالصراع الصهيوني العربي، علاوة علي مبادئ القانون والأعراف المنظمة للعلاقات بين الأمم المتحضرة، لا تمنح لإسرائيل أي حق فى هذه الأماكن. وقياساً بقرار تقسيم فلسطين رقم 181 لعام 1947، وهو الصك الوحيد المحدد لمساحة هذه الدولة، يمسي كل تمدد لها خارج هذه المساحة مجرد توسع مفروض بالقوة لا سند له من الشرعية الدولية.
بالتوازي والقياس ذاته، يظهر العرب والفلسطينيون كمتنازلين عن حقوق ثابتة لهم معززة بالصكوك والمواثيق والقرارات الدولية من أجل السلام وحقن الدماء. فليس ثمة ما يحول قانونا دون هؤلاء والمطالبة بالعودة لمرجعية القرار 181، وبالتداعي ينكشف التوسع الإسرائيلي في 20% من فلسطين التاريخية وفي القدس (شرقها وغربها) زيادة علي القسم المخصص لها. هذا حتي إن تراجعت هذه الدولة إلي حدود 1967!.
تجاوز المفاوض الفلسطيني ( والعربى) عن صيغة قرار التقسيم يُعد مظهراً أصيلاً للتنازل من أجل سلام يحقن الدماء. والأمر ذاته ينطبق علي الاعتراف بإسرائيل وإقامة العلاقات والتطبيع بكافة أبعاده معها.. فالقرار 242 لعام 1967 لا يقضي بهذه الأمور.
ويندرج تحت باب التنازل أيضاً أن يتخلي الفلسطينيون عن المقاومة المسلحة لصالح الاعتماد الكامل علي أدوات اللاعنف والبحث عن انتزاع حقوقهم بالطرق السلمية..
ما يجري في غمرة الصراع و التسوية بين اسرائيل والعرب بعامة لا يتعلق بحقوق متنازع عليها كما تصور إسرائيل أو تسوق.. ما يجري هو طموح إسرائيلى لابتلاع حقوق عربية وفلسطينية ودفاع عربي وفلسطيني عن هذه الحقوق. ولذا فإن الاحتجاج بفكرة التنازلات المتبادلة هو كلمة حق في غير موضعها أو سياقها. وعلي المجادلين بغير ذلك أن يعلمونا عما تنازلت عنه إسرائيل من حقوق لها حتي نشكرها عليه!.