المتوكل طه

 


 

 

أبـــونا

 

 

أبونا الذي لا نرى منه غيرَ النَّدى ؛

جاءَ من بَحْرِنا اليافَويّ

له عينُ صَقْرٍ وجَفْنٌ عَليّ

يُحبُّ الطريقَ المُزَنّرَ بالزيتِ

والنَرجِسِ المَوسِميّ ،

وَبَيتاً بناهُ على صَخرةٍ ،

قد ينامُ به ساعةً ،

أو يغيبُ مع الغَيمِ مثلَ النَّبيّ .

 

أبونا يَخافُ علينا من اللوزِ والتينِ

والبلدِ المُطْمئنِ الأمينِ

إذا لم نكن في النّواةِ البعيدةِ

أو خَمرةِ الطَّيرِ في كأسِها المَرمَريّ ،

ويَخشى على الحُلُمِ الحُرِّ

من دَفْقةِ الجُرحِ إنْ فاضَ ،

أو أَغْرَقَ الدارَ بالهَلَعِ الوَاقِعيّ .

لهذا ، يُربّي حريرَ الكلامِ

على شَجرِ السِّرِّ

حتى تظلَّ لنا حصةٌ من لباءِ الطَّريقِ

إلى القَمرِ الساحليّ .

 

أبونا له قلبُ طفلٍ وكَفُّ السَّحابِ ،

يُحبُّ من الشِّعر ما ضيّعَ الماسَ في النارِ ،

أو أحضرَ الموجَ تَحتَ الصليبِ

إذا ما اعتَلى النّاصِريّ ،

وَيُبْكيهِ دمعُ الصغيرِ

على حِجْرِ مقتولةٍ في البلادِ ،

فقد عَهد القتلَ منذُ ثَمانينَ ،

حتى رأى الخُبزَ نَطْعاً ،

ولمّا يزل فيه وَردُ الصَّبيّ .

 

أبونا يرى في الحُروفِ النَّبيِّينَ في دربِهم

نَحو معمورةٍ للبَغِيّ ،

لهم كلُّ نَسفٍ وحذْفٍ

إلى أنْ تثُوبَ مدائنُها للرضيّ ،

ومن حقّهِ ، وهو بوابةُ القولِ ،

أن يَنْعَفَ الجَمْرَ

فوقَ الذي يلحقُ التّيهَ

في خُطبةِ السامريّ .

 

أبونا لهُ ألفُ يوسفَ في الأرضِ ،

قُمْصانُهم في رماحِ الأشقَّاءِ ،

والذئبُ من خلفهم حارسٌ للدَّعيّ .

وما زال ينتظرُ الموسِمَ الباذخَ ، الرَّحْلَ ،

يا أيها القومُ :

هذا العزيزُ الذي غارَ في البئرِ ،

عادَ مع الرؤيةِ الآنَ ،

فلتَسْجُدوا للأميرِ البَهيّ .

 

أبونا يُربّي سنابلَه في الضُّلوعِ ،

لكي يُمْرعَ الحُزنُ برقَاً ،

ويأسى على حُزْنهِ الأوليّ .

 

أبونا يرى الأرضَ سجادةً تَحتَ عينيهِ ،

مذ جَفَّفتْ أمُّنا وَضْعَها في الطريقِ

إلى أنْ غَزاها الذي ماتَ بالخَمرِ

حتى الذي أَعملَ الجانّ في البحرِ

حتى الذي قد أتاها من الشرقِ

أو مَنْ رماها إلى سَبيِها البابِليّ ،

إلى أن تولّت عن الحقِ ...

فانقلبَ الطينُ في مِلْحِها الجَاهِليّ ،

إلى أنْ هداها المُكَبِّرُ في عدْله العبقريّ ،

ومنذ توسّدها البربريُّ

المكبّلُ بالانكفاءِ القصيّ

المُسلّحُ بالخوذتين ؛ من الصخر والفِكْر ،

هذا الذي علّقَ السورَ تحت شبابيكهِ

فوق مَسْعَدةَ الانتحارِ ،

الهجينُ الشقيّ ..

وما زالت الأرضُ تَحتَ نوافذِهِ

يرقبُ رحلَتها من ظلامِ اللّزوجةِ

حتى فضاءِ الخَلاصِ النَديّ .

 

أبونا الذي جاءَ للبيت بالنيزَكِ الأرجوانيّ ،

كانَ بِمحرَابهِ للصّلاةِ ،

ولكنّه لم يتمّ السّلامَ !!

فقد باغَتَتْهُ البِطانةُ بالعَقربِ القُرْمُطيّ ،

ولم يَكْسِر الآيةَ التي جمعت حولَها الناسَ ،

لكنّها قِصّةُ الطفل والغولِ ،

والحرفِ من ضعفه للرويّ .

 

أبونا مضى للأساطيرِ ،

والسقفُ باقٍ  ،

والأرضُ

راسخةٌ تَحتَنا ،

إنّما قد يعودُ الخوارجُ من بيننا

والبرامكةُ العنكبوتُ ..

ويبدأ مخطوطُنا القرمزيّ .

 

أبونا الذي فَكَ أزرارَ هذي الغوايةِ

لم يلحظ السّهمَ موتاً أخيراً ،

ولكنّه مرودُ العُرْسِ في ليْلهِ الإثمديّ .

تركناه حينا ،

فإنّ أبانا له كالمياهِ مزاجٌ عَصيٌّ ..

بنى قارباً من جُروحِ الشّهودِ ،

وحطّ على تلّةٍ للفهودِ ،

وحين تَمادى الرّغاءُ

وأُثْقِلت الريحُ بالمومياءِ

تَعالى على كلِّ هذا العُواءِ

وفوق وُحُولِ الرّدى العُنصريّ .

 

أبونا ..

أبونا يُصَدّق رؤيا يبوس

وبشرى العصافيرِ

واللونَ في الدفترِ المدرسيّ .


 

 

مَغْناةُ الحَاكمِ بأَمْرِه

                                                                                        

أَلوَميضُ الكسولُ بلا عَدَدٍ في الأَسِرَّة، والذائبُ المُنْتَشي من نبيذٍ وعطرٍ،لكلِ الليالي، ليجرَحني النَّايُ أَكثر.

أنا، إنْ أَمَرتُ، تَكونُ الضَفائرُ في مِخْدَعي، أو نَهَرْتُ الجُنودَ تَرى الأرضُ ما لم يَكُنْ مِنْ ملوكٍ وعَسْكَرْ.

ولو أَرفَعُ الحاجبَ، الإصبعَ، الرّمْشَ، تَرْتَبكُ الأُمَمُ المُنْتَهي أَمْرُها، إنْ لَمْ تُطِعْ نَأْمَتي، أو تَخرّ على قَدَمي، أو تُقَدِّم ما شِئتُ مِنْ تِبْرِها، أو مَجَرّاتِها المائِساتِ، على حَذَرِ النّارِ، أو كلِّ ما جَمَعوا من عَتَادٍ وجَوهر.

أنا سيّدُ الغَمْرِ والصورةُ البَدْءِ، إِنْ راقَ لي الوَعْلُ

  

  

 أُطلِقُهُ في البَراري، وإنْ مرَّ بي النَّسرُ قدَّمَ لي ريشَهُ للظَهيرةِ، أو هَزَّني الأُفعُوانُ أُراقِصُهُ في العَراءِ. أنا لا أَنامُ علَى مَسْنَدٍ من حَريرٍ، أنامُ على ألفِ مُهْرٍ بِصَدرِ التي وَزَّعَتني على جَسَدٍ من لهيبٍ وَكَوْثَر.

أنا مَلِكٌ ظَلَّ يعلو على عَرْشِهِ، فَانْتَشى مِن هُتافِ المَدائِنِ، حتى سَمِعتُ الحَدائِقَ والرَّملَ والناسَ تَطلُبُ أنْ أَرْتَقي للسَّماءِ، فأصبَحتُ آلِهةً لا تُرى، واتَخذْتُ قِناعاً مِن الذَّهَبِ الخالصِ الّلامِعِ المُزْدَهي باللآليءِ، كَي لا يُشاهِدُني آدميٌّ، وأُكمِلَ قُدْسِيَّتي في الخَفاءِ. أنا ربُّ هذي الجُموعِ التي سَجَدَت كي أَظَلَّ على

 

 شُرْفَتي في البَعيدِ..وأَظْهَر.

سأَنْثُرُ فَوقَ الملايينِ أَقمارَ كَفِّي، وأَحْفرُ حَرْفي بأَلْسِنَةِ الخلْقِ.هذا أنا الواحدُ الذي لَم يَصِلني الرِعاعُ الذين إذا أطبَقوا فَعَلى صورتي، أو ما

رَسمتُ لَهُم مِن ظِلالي..

ضَلالاتُ يَومي صلاةٌ،

وَذَبْحُ الأيائلِ أَيقونةٌ للحياة !

والرِّيحُ إنْ أَوَّبَت فَإِلى مِعْطَفي،

وإذا أَمْطَرَت فَإِلى مَصْرِفي..

وَطأَتي، الأَمْرُ كي لا تَكونَ الزلازِل !

 

 

والصَوْتُ، حَتى أُغَطّي البَراكينَ، إنْ فَهَقَت لِلبَلابِلْ !

أنا المُبْهِرُ الفَرْدُ،

والكَرْبُ والسَّعْدُ،

والقَيظُ والرَّعدُ..

..أَعفو وأَقْهَر.

ولي كلُّ ما سَوفَ تَحمِلُهُ الأُمَّهاتُ، وما سوفَ تحكيهِ عاطِفةٌ للنُعاسِ، والناسُ أَصداءُ صَوتي، وصورَةُ أَخيلَتي، فأنا رَبُّ كلِّ الهداهِدِ والجانِ، والحاكِماتِ على السَّدِّ والماءِ..

أو رُبَّما كُنْتُ أَكْبَر.

 

أنا مِن خُراسانَ، أو أَيِّ مَملَكةٍ في الزَّمانِ، وما زِلتُ أُولدُ في كلِّ عَصرٍ، وما زِلتُ في عَرْشِ جَدّي؛ أُعَلِّقُ ما شِئتُ في عُقْدَةِ الشَّكِ، أو أَفلَقُ الحَبَّ في باطنِ الطينِ، حتى إذا افتَرَعَ الأرضَ يوماً وأَزْهَر..قَطَّعتُ قاماتِهِ بالسيوفِ، وأَلقَيتُهُ في القِلاعِ؛ يَباسَاً وأَخْضَر.

ولكِنَّني قَد مَللتُ البقاءَ وحيداً، فأَسْرَفتُ في الدَّنِّ والنَّجمِ والنسْوَةِ العارِفاتِ، وما شَعَّ في الظَنِّ، حتى أَقَمتُ جَنائِنَ آخِرَتي في زَماني، ثُمَّ أَهْرَقتُها كي أُعاقِرَها من جَديدٍ، فأَتعَبَني جَسَدي ! لَستُ ما شِئتُ، والقَلبُ هَشٌّ، إذا اجتَرَحَ الصَّمتُ مِزمارَهُ في فِراءٍ وعَنْبَر.

  

 

مَلَلْتُ، فأَحْضَرتُ سُمَّاً زُعافاً، وقَلتُ لِنسْوَتيَ الخائِفاتِ: تَجَرَّعْنَهُ !! ثُمَّ أَغْمَدتُ سَيفي بِصَدري، ورَحتُ إلى  يَقْظتي ..غَيرَ أَنّي رأيتُ الجُموعَ تدوسُ فِراشي؛ وتَكسرُ ما تلتَقيِهِ مِن الصَّندلِ الصّلبِ أو أَبَنوسِ المَمَرَّاتِ، كانت عُيوني ترى غيرَ تلكَ النهاياتِ ! هلْ كُنتُ أحلمُ ؟ أمْ أنّني ما انتبهتُ إلى أنَّ جوعَ النجوعِ هوَ الحقُّ ! والصوتُ إنْ لمْ يصِلْ سوفَ يرتدُّ عاصِفةً مِنْ جنونٍ تُحَرِّقُ ما تلْتَقيها ؛ هَشيماً ومَرْمَر.

 

  

أنا قيصرُ الأرضِ! قد أرفعُ النَّهرَ أو أخفضُ الشمسَ، أو أشنقُ السّرْوَ أو أَبْقُرُ البطنَ الذي قد تكوَّرْ. لكنني عَدَمٌ إنْ تحفّزت الروحُ، وَهْمٌ إذا جَنَّحَ الطيرُ، ظِلٌّ إذا ارتفعَ القلبُ فوق أناشيده أو تفجَّرْ .

أنا لستُ شيئاً، إذا نبض الَّلحمُ وابتدأ الوَحْمُ، والرَّحْمُ أكبرُ من بَرَّ كسرى وأوهامِ قيصرْ .


 

عن محمود درويش

 

اكتمال الشاعر

 

لم يمت تماما... كان ذلك مجازاً ، أو مقاربةً لحدث الموت المكرور ، الذي فَقَدَ دهشته ، وأراد أن يستعيد مهابته ، فضربَ أكثرنا مناعةً و حصانةً ، ليثبت أن الغياب الناقص لا يكتمل إلا بهذا الحيّ العظيم .

*

يا وحدنا! يا وردة الكونِ الكبرى، التي سقطت، دونما إنذار، كأنها أختُطفت على حين غرّة ! سيفتقد العاشقون وسائدهم المعبأة بالسحاب، ولن يرى بعدك الثائرون الحمامَ يطير على أسلاك الحرير .

*

بلغنا الجُلجلة، وانطفأت الجذوة على سرير القلب المخذول بأهله، الذين ألقوا أحلامه تحت سواطيرهم العمياء، ولم يحتمل هذا السقوط والاقتتال .. فسَقط، وراح قتيلاً آخر للخيبة، وعلى طريقته الأسطورية، احتجاجاً، غير مباشر، على حياة أَعدمَت ما اجترحه من عوالم، اعتقد أن فيها ما يستحق الحياة، وليس فيها كل هذه الرداءة والنكوص والانهيار.

* 

ومن حقّ الجليل أن يحتضن زيتونته وغزاله المكحّل المزيون، وأن يحنو الكرملُ على مُنْشده الأجمل، وأن يحمله على جناح النوارس إلى البحر، كما حمله إلى الدنيا، بسنديانه وثياب أمهاته، وجدائل بنات المدارس، وطرقاته الوعرة الصغيرة، وبيوت الذئاب التي رحلت خوفاً من الجيش.

ومن حقنا أن نندب، لأوّل مرّة، كما ينبغي، تعبيراً عن هذا الغياب الغولي الهائل . إننا ناقصون إلى حدّ الفراغ! ولم يعد ثمة مَنْ يرمّم صورتنا، ويواجه بأناقة حضارية، تلك الصورة النمطية المكرورة والممجوجة. إن قصيدة منه خير من الف مدفع ومارش !

*

محمود مغنّي فلسطين الأمهر، وخالق الأبجدية الجديدة لشعر الأرض والمقاومة والانسانية، وهو الغابة التي لا حدّ لها، والتي يمور على ترابها الساخن الوثير كل الاشجار الواقفة، المغسولة بالمطر العنيف، ورذاذ الزلازل، وينبع في باطنها صغار البراكين، والخرافات، والأصوات المتداخلة، والصدى الوديع والمخيف. ومهما بلغت نيران الموت في هذه الغابة، فإنها قادرة على هضم ألسنتها وتحويلها إلى ضوء فتيّ باهر، يهزم الموت، ويردّ العدم والخوف على أعقابه .

 

*

لم يرتبط درويش بفلسطين القضية، إرتباطاً  عشائرياً، بقدر ما أسس لانتماء إنساني أكثر عمقاً ونفاذاً،ً جعل غير الفلسطيني يجد نفسه ملتصقاً بهذه القضية .

 

*

يقول أشياءنا كأنه تسلل إلى دواخلنا، والتقط تلك الماسة الزاهرة كالجمرة، وراح ينتظمها في عقد يقلّده صدر الوطن . أما البلاد التي كان يحلم فيها، فإنها ستستيقظ في مقبل الأيام دون آبنها المُعجز، الذي فاض، حتى طفقت الدنيا تلحق بكلام رسولٍ لم يهبط له الوحي، بل خلق هو رسالته وبُراقه وعصاه السحرية وطريق آلامه وتاجه الثمين .

 

*

عندما يسقط الشاعر ميْتاً يصيح : لقد اكتملت ! فيحيطونه من كل صَوْبٍ وجهة، ويرون ملء أعينهم أن الظلام، ومهما كان مُسلّحاً وشديداً، فإن القصائد تقف له بالمرصاد. مثلما تُذكّر الواقفين المحيطين به، بأن استدراكهم، للاحتفاء به، قد تأخّر كثيراً، وكان ينبغي أن يقفوا تحت شجرته الكونية ، وينتبهوا إلى تلك التي نبتت، بعيداً عن مائهم، من بذرة روحه الحمراء.

والآن، ها هم يشربون عصارتها ليعيشوا إلى الأبد. فالشاعر شجرة الحياة التي تُبقي الآخرين خالدين، وإنْ رحل جسده.

 

*

محمود الرائي المتعدد الذي يحفر في الأرض الحرام،هو نفسه الناقد الذي وجّه رمحه المتوتر إلى قلب الدريئة، التي تخفي وراءها الفساد والخراب والحروب الأهلية والوجوه الوثنية.

 

*

 ودرويش هذا الحوت الجبلي، وابن الحورية التي أخرجته من ثياب البحر والسنديان، ظل كائناً غير عادي، قد أدركه مَسّ من السماء، فصارت له هذه القدرة غير المعهودة في خلق الكلام المباغت والماتع والمثير، وربما يكون كلاماً يفوق المتوقَع من بني الانسان .

 

*

ولعل قصيدة درويش تمتلك أن تمنح المتلقي غير مفتاح ومدرج، يولج معه هؤلاء القراء، ليمنح كل منهم ما يريد من النص ذاته، فيشرب الفيلسوف تلك الحكمة المختبئة، وينهل البسيط من أقواس قزحها اللونَ والغيوم .

 

*

والخسارة تكمن في أننا سنفتقد الجديد المُدهش، الذي يُطالعنا كسيف الملحمة المُعافى والجليل. فالشاعر لا يموت، فهو هنا بكامل سخريته وكهربائه وحدّته وعطْفه وغنائه، وأسراب خيوله البريّة، وذهب لغته النابضة الحيوية البِكْر، إنه هنا بمعجزته البسيطة المذهلة، وستنسينا، بقوتها وسطوعها، رغماً عنّا، رحيل جسده .. لا غير!

*

جاء درويش من لغته، التي خلقها، وتبادل معها دور الخالق والمخلوق، أو الصياد والطريدة، وراح يعلّمها لنا، بكل ما فيها من أساور ومناديل وشِباك وشبابيك، تطفح بالجمال والمعرفة والغناء المتعدّد الدرجات والمتداخل . وكان يطلّ علينا كالعرّاف المتبصّر، الذي جمع أُمّة الضاد، بسِحر حساسية أداته الفنية، وبمياه الفكرة التي عملت على وضع كل مستمعيه في بحيرة واحدة، يغسلهم فيها، ويرويهم من مائها، فيخرجون، وقد توحّد فيهم نوره الوهّاج، ما خلق حالة جماعية تمتد من الماء إلى الماء .

*

لقد شهد محمود درويش موته ورآه، وأقام جدارية عنيدة لتصدّ خفافيشه الغامضة، وانتصر درويش على الموت، بأن مكّنه من جسده، لكن الموت لن يبلغ ذرى كلامه البعيد .

*

كانت القلّة، من المثقفين الحقيقيين يغبطونه على رفْعته واختلافه، وكانت الكثرة المخاتلة التي تدّعي الإبتكار، وتطحنها عُقد النقص والصَغَار تحسده، وكان ثمة متّسع، في ظلّه، لهؤلاء المساكين، الذين يحسدونه، حتى على موته، وعلى هذا الكرنفال والوفاء البديع من الناس، الذين لا يعرفون آليات التعويض والنمائم الصغيرة وحركات الطواويس .

*

ربما نسهو ونسير إلى مكتبه، أو نطلب رقم هاتفه، فتجيبنا الآلة أن صاحب هذا الرقم قد مات ! فيفور الحزن طازجاً من جديد.

*

اليوم، أمسى الشِعر يتيماً ! رغم أن ربّه أخرجه من التابوت، وسقاه من ريق قلبه، فتعالى ! ولم يعرف ناقد أن ثمة نقصاً في بيت هذا الجنيّ الساحر، فهو كالرمّانة المكتملة، وصار ثاني اثنين، المتنبي ودرويش، عبر مفازات القرون والأزمان، فأصبح الزمن القادم يتيماً هو الآخر، وأرجو ألاّ يطول يُتْمه !

 

وفلسطين، أيضاً، يتيمة جداً، فلم يعد لها أسماء ورموز، بعد أن عرفها العَالم من خلال اسمين كبيرين هما ياسر عرفات ومحمود درويش..

 

*

ويظل شعر محمود درويش وثيقتنا الوطنية والسسيولوجية والنضالية والإنسانية أيضاً، ويستطيع أي باحث أن يجد في هذه الوثيقة تاريخنا الذي أصّله الشاعر بحروف تليق بالخلود .

 

*

إن هذا العملاق المنذور للأزرق، هو نفسه الذي جعل قصيدته، غير العمودية، والتي لم تسقط في المباشرة والمجانية والخطابية الفجة، قادرة على أن تكون أغنية وشِعاراً ونشيداً يشحذ المواطن، الذي يدفعه ذلك الغناء العالي، إلى أن يهجم على عين البندقية، محمولاً على إيمان عميق، يرنّق مداركه ووجدانه، ويملأ عقله وقلبه، ويظل مصدّقاً ومعتقداً بأن ذلك النشيد الموقّع والمطهم بالأرض والثورة والحرية، هو وثيقة النصر والخلاص، التي يجب أن يمهرها بدمه .

 

*

أعطى درويش للمقاومة معنى أكثر اتساعاً من القتال، ليصل المفهوم إلى الإنحياز إلى الجمال والحق والخير والعدل، في مواجهة البشاعة والاستغلال والاحتلال ...

*

ومحمود الذي شكّل الذائقة والسقف الجمالي، وصار صاحب أكبر مدرسة في آخر نصف قرن، حتى أكاد أقول: إن الشعر الفلسطيني، خاصة، والعربي بشكل عام، مع استثناءات ونتوءات مضيئة بادية ومختلفة، هو قصيدة واحدة متنوعة تنتمي إلى مدرسة هذا الشاعر، الذي كتب دراما الروح الجماعية، فيما كتب معظم الآخرين دراما الحدث !

*

عندما كان بيننا كنا نقول: هذا هو الخارج من جلسة قلبه .. المتوحّد بعيداً وسط الحضور! يبدو آدمياً، ويتراءى للناس كأنه متعالياً ! تراه خاشعاً على مشهدٍ من أناييسِ المعبدِ وعاموده! وتلحظه يحفرُ فقحةَ الزهرة الصغيرة، أو تلمحّه تمثالاً راكعاً متأملاً في أُمّهِ التراب.

كأنّه امرأة تلفُّ أيديها حولَ عُشّاقها الفتيان، وتسحب شرايينهم بأيديها الكثيرة، ثم ملّت اللعبة فتجمّدت إلهةً صامته. وقيلَ هو الذي سرقَ النارَ، وَلاكَ الطيرُ كبدَه. وقيل هو الحلمُ الكبير الذي ندور في فلكه، غيرَ أن رأسَه المُتعبة ستلقينا مثل ندم الخيانة في النسيان. وقيل هو الكوبرا التي ظلّلت النبيَّ الأمير، ولمّا نجا أحبّت أن تُهدي قوامها للنساء.

وقيل هو المتخّلع الأنيق الذي لن يتوب ما دامت الأمطار المسحورة تتكوّر كشحاً يعوي. وقيل هو الواقف تحت الشمس الناغرة شاخصاً في يوم القيامة. وقيل هو اليتيم الذي قدَّ أضلاعَه كَمَنجةً مذبوحةً تحت شبابيك الياسمين. وقيل هو ما وجدوه في قعر الكأس المقدسة في ذلك الكهف المغلق منذ الخليقة، فاختلفوا على ما فيه، فمنهم من رآه سُلافة، ومنه مَن تبيّنه ندى السماء الأول، ومنهم مَن قال: هذا عَرَق الروح، وآخرُهم قال: هذا دمع الشهوة أو الاختلاج أو الحنين إلى كل شيء. وما زالوا يجهلونه، أو يتجاهلون شخصه.

غاب فلم يفطنوه! وعاد فلم يحتفوا به.

واتهموه بكل الهنات والخروج . وحينما صاح قالوا: هذا صوتنا المنهوب. وعندما صمت فَرَدوا له النطع الواسع.

ولمّا سافر جرّدوه من حبق أُمّه البعيد. وحَضَر، فلم يحضروا، كانوا يُعدّون له المشنقة.

طلع من لَحده الضيّق - كان مغشيّاً عليه من ريح حامضهم النافث - فوجودهم يدُبّجون له مديحَ الغياب.

وعندما أيقنوا أنه حيٌّ وله عُمرُ نوح، احتشدت صدورُهم وانفجرت، وماتوا غيظاً. وظلّت المشنقة تتأرجح دون جسدٍ يتدلّى، غيرَ أني أرى مجموعةً جديدةً تهتف لغريبٍ جديد، وكانوا فرحين، فقد تأكدوا أنَّ غايتَهم حاضرة.

*

ومحمود درويش أسطورة الناس، التي اتفقوا على أن قوامه يحتمل أثقالهم وهواجسهم ورغباتهم، فوضع كل فلسطيني وعربي شيئاً من نفسه في محمود، وأصبح محمود مِلْكاً لكل الناس الطيبين، الذين استجاب لهم، وتماهى معهم، وأصبح وجدانهم وكلام روحهم، وأفتُتِنوا بمخلوقهم، وأصبح نجمهم الذي يسعون إليه، ويتلقفون قصائده، ويحفظونها عن ظهر قلب، ما يفسر تلك الجماهيرية والإقبال، منقطع النظير، على أمسياته وقراءاته وكتبه.

ولهذا، فإن كل عربي وإنساني، يحس أنه خسر حصَّته في هذا العملاق الفذّ، وانهدم جزء من رمزه الذي كان يفتخر به ويباهي.

*

 

في السجن، كنّا نصدقه، ونردد بحناجر الفولاذ أشعاره، وأغاني مارسيل التي نشرته أُفقاً نارياً، يهدم الجدران ويُصدّع الزنازين، ويُصيب حراس المعتقل بالذعر والهلع، حتى يقفون وراء مدافع الغاز المسيلة للعار ورشاشاتهم العمياء، ليواجهوا ذلك الصوت الجماعي المزلزل.. وإن قصائده محفورةٌ بالأظافر والدماء، على تلك الجدران، التي لم تكن عائقاً أمام مشاوير الروح، السارحه بعيداً مع اليمام، والعائدة مع الشمس في الليل .

 

*

ويبقى محمود وطننا الشعري، الذي جعل فلسطين جرساً في قلوبنا، ترنّ على الشفاه وفي الكفوف، وفي الأفاق، ويظل محمود الاسم الذي نفرح به فرحاً تاريخياً، ونزهو بأننا عرفناه!

*

ومحمود المتفّرد يكون اليوم قد أكمل زينته ورحل، لكننا ما زلنا في بيوت العزاء، أو نقف أسراباً على حواجز الجنود، أو في السجون، أو في المعازل أو المخيمات .. ولم نمتلك أسباب الزينة لكننا نمتلك قصيدة جاءت من السماء .

درويش مثل المعابد والعواصف والبحار لا يموت، ومثل الموسيقى والصلاة وأبناء الانبياء الذين يظلّون في فضاء الأيام وساعاتها .


 

*

 

ألمُلصَق

 

كُلّما سِرتُ ألقاهُ، مُتَّزِناً في هدوءٍ جَليلٍ، كأنَّ الفراشاتِ مَرَّت على شفتيهِ؛ فانفرَجَتْ بابتسامَتِها، أو أَلقَتْ الشمسُ ثوباً خَفيفاً على وجههِ فانتَشى، وقد أَنضَجَ الّلوزُ نوّارَهُ في شبابيكِ عَيْنيهِ..فاتَّسَعَت للسواد.

 

هنا أجلَسوهُ على حائطٍ في الطريقِ، وَخَطّوا على صَدرهِ آيةً للعزاءِ، وكان على كلِّ بابٍ، وجذعٍ، وجامعِ حُزنٍ، ونافذةٍ أغلقوها، وقنطَرةٍ للعباد.

 

 ألقاهُ في كلِّ دربٍ أَمامي، كما كان قبلَ قليلٍ بهيئتهِ، مثلَ تمثالِ ضوءٍ، تَزّيا بصورتهِ فوقَ جدرانِ كلِّ سَبيلٍ، وعامودِ نورٍ، فكان على كلِّ زاويةٍ مثلَما جَمَّدَتهُ ملامِحُه مُلْصَقاً فوق هذا الجماد.

 

وصِرتُ إذا سِرتُ يَضحكُ لي! ربما قد تهيَّأَ لي، غَيرَ أنّي أرى بَرَداً قد يسيلُ على جَمرةٍ في الوهاد.

 

تَفرّستُ فيه إلى أنْ تَيَقّنتُ أنَّ هذا القَتيلَ يُضاحِكُني، فابتَسَمتُ له كي أرُدَّ التحيَّةَ. ثُمَّ أراني أراهُ هنا وهناك، وفي كلِّ خَطْوٍ، فأضحَكُ، حتى تأكدتُ أنَّ الذينَ رأوني يَظنّونَ أنّي اختَبَلتُ..ولم يعلموا أنَّ إشراقتي لصديقي، الذي لستُ أدري إذا كانَ ماتَ شهيداً، أو رُبّما راح في عَتمَةِ الإقتتالِ المُريبِ، أو بالرصاصِ الذي خانَ أهلَ السلامِ، وأطلقَ في الناسِ جوعَ الجراد.

 

وصِرتُ أخافُ على صاحبي من لهيبِ الغزالةِ، أو أنْ يذوّبَهُ الماءُ إنْ زَخَّ من عاصفاتِ القَتاد.

 

وحِرْتُ، كيف سأحميهِ من زَمنٍ سوف يُبْهِتُ حُمْرَتَهُ، إنهُ صاحبي ! ثُمَّ من حَقِّهِ ألاّ تُقلِّبهُ النَّاغِرِيَّةُ أو يَلْفَحُ الوجهَ ريحٌ، وتُلقيهِ في حاوياتِ القمامةِ بعضُ الأياد.

 

حِرْتُ وأدركتُ أنَّ صَديقي الذي لا ينامُ، ويَحرسُ في الليلِ كلَّ المدينةِ، سوف يهجُرنا عاجلاً كان، أو بعدَ حينٍ، ولن يصمدَ الدّهرَ هذا المِداد!

 

غير أنّي، وفي حيرتي،كلَّ صُبْحٍ، أرى طِفلةً في الطِريقِ تُلوِّحُ، أو وَجهَ طِفلٍ يُضاحِكُ حائطَ  مَدرسةٍ، والحَقائبُ في سِرّها رَسَمتْ خارطةً للبلاد.


 

 

مروان

 

إلى الصّديق مروان البرغوثي في حريّته

 

عَلى زَهْرَةٍ في الصّخورِ

تَرى شَفقاً من فَراش الحقول!

وثوبُ الحليبِ يجفّفُ صيفَ الشبابيكِ..

لكنّ بَرْدَ القرى قد يطول !

فجاءت بخيطٍ طويلٍٍ،

لكي تُطعم الطّيرَ والضّرعَ والضّيفَ،

حتى تظلّ المواقدُ

في أمسياتِ العشاء،

ويبرقُ ليلُ العيونِ على فرسٍ للرسول.

صلّوا عليه!

وجاء الصغيرُ ليخبرَهُم

أنّ ثوبَ الحليب أتى بالجَنينِ،

فهاجتْ تباريكُ أخوالِه،

ثم راحت تُغنّي النساءُ،

فردّت عليهن قُبّرةٌ في السهول.

أُسميّه مروان !

إنّي أحبُ مناداةَ هذا الغزالَ،

بإيقاعِ هذي الحروفِ،

لها وزن: إنسانُ/ رُماّن /عنوان/

ديوان/ميدان/عينان..

ثمّ توقّف !

قالوا له إكمل الوّزنَ

قال: قضبان/جدران/سجّان

.. ثم توقّف!

قالوا اذكُر اللّهَ،

واٌبعِدْ عن القلبِ شيطانَه يا حسيبُ!

فأردف: فرسان/فرسان/فرسان..

حتى تصادى صهيلُ الخيول .

وكانت غيومُ البيوتِ تُسابق أضواءَها،

ثم خَرَّت صواِعقُنا في البلادِ،

وقامت عصافيرُ أبراجنا في السماءِ،

ومارت عواصفُنا في الأغاني،

وقاربَ ميناؤنا بالوصول .

وابتدا الإحتمالُ،

توالد وامتدّ حتى استطالَ

فسدّوا على الوردِ حُمْرتَه بالذبول.

لقد سقطوا في مهبّ المقاصلِ،

باٌسم الضّرورةِ، أو عانقَ الثائرون مشانقَهم،

فَارْتَكَسْنا على شَوكِ منْ سقطوا

في الوحول.

وقد هجسَ الجمرُ، ثانيةً، في الجناحين،

كانت منارةُ فينيقَ تُومض،

في عَتْمةِ الميّتين،

وكانت قناديلُه كالصقور،

إذا جنَّحَت لا ترى غيرَ شُُعْلَتها..

في الطّلول.

هنا ابتدأ النصرُ ثانيةً،

والمراقصُ نامت على ذُلّها،

غيرَ أنّ المحافلَ عادت،

وصبّت على كُحْلِ مَنْ  قيّدوهُ الكُحول.

هناك، على عَقْرب الرّملِ،

لم يصلبوا الروحَ،

لم يصلوا للجِنانِ،

ولم يخنقوا اللَّحنَ!

كُنتَ مع الإخوةِ الصامدينَ تراها "فلسطين"

حريةً للنشّيد، إذا كان، كُنّا،

وإنْ غاب، عُدْنا،

لنرفَعه فوق بحرٍ ونهر،

فأرضُ فسطينَ مملكةٌ للضميرِ وللماءِ،

لأبنِ الإلهِ الذي لا ينام على الذُّلَّ والبُعْدِ،

بل يعتلي سَرْجَهُ فوق برقِ الوعول.

وما كذّبوكَ!

رأوكَ على صِلَةٍ بالبراكينِ،

فاندفعوا نحو بوصلةِ النارِ ..

أنتَ الذي إنْ أََشَارَ

يكون السحّابُ وزَخُّ الهطول.

وأنتَ، إذا كنتَ في القيد والعَزْلِ،

كنتَ، إذاً، في تَمام الرّؤى،

حُلماً، للخيام، التي حمَلَتْ عِطْرهَا للدّخول.

وما خانك القومُ!

هل زَبَدُ الإنكسار

يحدّ الرياحَ  ورَعْدَ السيول؟

إذاً، سوف يهدمُ طوفانُ شعبكَ

سجنَ العبيد وَقَبْوَ الجَهول.

ويبدأ فجركَ، بعد قليلٍ،

وتبقى المناراتُ

تبقى المناراتُ،

ساحاتُ كنعان،

أرضُ الأيائِل،

أُمُّ العماليق،

أحزمةُ النجم

دربُ المكحّل

سرّ الذهول..

إلى أن يعوَد، هنا، الأرجوانُ،

وشمسُ المدينةِ في أوجها للفصول .


 

مصر

 

أعلى من الكلام

 

 

مراكبُ النيلِ أم أحلامُ مَنْ عَبَروا

أمْ أنّه اللّونُ والجدرانُ والصُّوَرُ

أَمِ المناراتُ والأضواءُ فاهقةٌ

تَهْدي سواحلَ مَنْ أودى بهِ السفَرُ

أمْ أنها جيزةُ الأهرامِ خالدةً

وكَرْنَكُ الصلواتِ البيضِ والنَّهَرُ

والشمسُ معبودةُ الأقوامِ إنْ سجدوا

زُلفى ومقربةً ظَنّاً وما كفروا

وقلعةُ الملك المنصور أو فرسٌ

إلى المماليك، والسيفُ الذي شهروا

فطهّروا المسجدَ الأقصى بِعطِْر دَمٍ

وكان أنْ وحّدوا الراياتِ فانتصروا

والزّارُ والحلقاتُ الخُضْرُ رانخةٌ

بشهْدِها ومقامُ العشق والنُّذُرُ

وثُلَّةٌ مِنْ حرافيشِ النجيبِ على

نهرِ الخلودِ، فتطفو في السَّما السُّرُرُ

وليلةٌ في "الحسين"؛ النورُ ذائبةٌ

دموعُهُ وابتهالُ النَّجْمِ والسَّمَرُ

وأُمُّ كُلثومَ إنْ ماسَتْ على عَسَلٍ

مِنَ الغُروبِ يَثوبُ النَّاعِسُ الخَدِرُ

ورقصةُ الخيلِ والمزمارُ طافحةٌ

شجونُه لقتيلٍ هَمَّه الخَفرُ

و"الأزهرُ" الحقّ، مَنْ يحكي مسيرتَهُ

إلى مشارفِ مَنْ ثاروا ومَنْ ظهروا

والطيْبُ في جَرسِ الشمّاسِ مُذ صَدَعت

لربِّها دعوةُ الناموسِ والسُّوَرُ

وفي ثيابِ "أناييسَ" الخمورُ إذا

ذَكَرْتَ توبةَ مَنْ أفشى به السَّكَرُ

والعاشقونَ برمْشٍ ماتَ أكبرُهُم

ومَنْ تَوَلَّهَ في ليلى.. وقد عُذِروا

وفي القناطرِ ذيّالٌ يطيرُ على

بلّورةِ الغيمِ وحيْاً.. أرضُه الدُّرَرُ

بهيّةُ الأرضِِ من وادي الملوكِ إلى

بحرٍ يفيضُ فتَحدو ماءَه السِّيَرُ

تصدُّ غائلةَ الهكسوسِ قادرةً

وفي أصابعِها الجندولُ والقمرُ

و"عينَ جالوتِ" يا "أقطايُ" نرفعُها

سيفاً بوجهِ الأَمُورِيِّ الذي ذكروا

وفي "القناةِ" اجتراحُ المعجزاتِ إذا

جاء الفرنجةُ والمحتلُّ والتترُ

ومَنْ سينسى رجالاً في الرمالِ إذا

غالوا شرايينَها من بعدِ أن أُسِروا

لم يبقَ في القدسِ قدسٌ بل جنازتُها

فلْيصمِتِ الشَّجْبُ والعرَّابُ والهَذَرُ

والعَرشُ إمّا مُباحٌ أو يُباعُ، ولو

أَحَسَّ بعضُهُمُ بالعارِ لانتَحروا

ومَنْ سيمحو شهيدَ القصفِ، معذرةً

فإنهم معَ دمِ الأطفالِ قد كبروا

هذي المسلاّتُ سهمٌ شاهدٌ ويدٌ

وسيفُ عَرْشٍ له من مَجْدِهِ أثرُ

والطميُ حنّاءُ أعراسِ الوعولِ إذا

شقَّ النوافذَ عودٌ شَفّهُ الوَترُ

ويلتقي العاشقانِ، النارُ فاتحةٌ

وآخرُ الأمرِ نبضُ الطينِ والشَّجرُ

محروسةَ الكوكبِ المذبوحِ هل عتبٌ

أَبوحُهُ ويداكِ البرقُ والمطرُ

وأنتِ أوّلُ مَنْ أهدى الطريقَ إلى

بابِ الحياة، وقدسُ اللهِ تنتظرُ؟

ومَنْ لِغَزَّةَ بعدَ اللهِ يا بلداً

أَذَلَّ أعداءَه بالعدلِ فاندحروا

وَأَيْنَعَ اللّوتسُ الريّانُ وابتدأتْ

حكايةُ الطفلِ والراياتُ والظَّفَرُ

وأنتِ مَنْ صبَّ رمّانَ القلوب على

ثرى فلسطينَ والفلّوُجةُ الخَبُر

وأنتِ أمُّ الشهيدِ الفذِّ إنْ عبقتْ

ياقوتةُ الجُرح راح الوردُ يعتذرُ

"شيلاّه" يا سيّدي البدويّ، إنَّ لنا

أحلامَ يوسفَ والقمحَ الذي بذروا

والسَّحرَ والسَّدَ والآياتِ إنْ شهدتْ

صلاتَنا الدارُ والأبراجُ والسَّحَرُ

ونخلةٌ في قطار الصُبْح مطهمةٌ

بِطلْعِها الحلوِ أو يسمو بها البصرُ

"شيلاّه" يا فتيةَ الحاراتِ، كان لنا

يومٌ بهيجٌ، فمَنْ لم يشهدوا.. خسروا

يا مصرُ يا أولَ الحرفِ الذي نقشوا

فأزهرتْ بردةُ الكُهّانِ والجُدُرُ

وأنتِ أرضُ العراقيْنِ التي نُهِبَتْ

والشامُ والشاطئانِ: الماسُ والثَمرُ

وأنتِ في الذَّكْرِ أَمْنَاً خالصاً، ولهم

مهدٌ بقلبكِ إنْ حلّوا وإنْ خطروا

ومصرُ طفلٌٌ على البيداءِ يتركُه

شيخٌ نبيٌ فتأتي نَبْعَهُ الجُزُر

ومصرُ زينبُ والرأسُ التي حَملَتْ

حتى يقومَ على نُعْمانِهِ العمُرُ

والشافعيُّ وشوقي بعضُ أحرُفِها

والعزُّ والمجدُ والتاريخُ والِكَبرُ

والمكتباتُ وأفلامُ الزَّمانِ وما

قالَ السنونو ولَحْنُ الغيْبِ والفِكرُ

ومن هنا حملَ اليونانُ أَشرعةً

من نِيْلِ كُحْلَتِها كي يَنْفَذَ النَّظَرُ

والحُسْنُ أَوقَفَ ذا القرنينِ إذْ رَفَعتْ

أحجارُهُ تاجَ مَنْ باهَى بهِ الحَجَرُ

والخالدونَ بها القتلى إذا ذهبوا

وبالنجيعِ على شطآنِها مَهرَوا

ونحنُ أُوزيسُ هذا العصرِ يا امرأةً

تُعيد لحُمْةَ مَنْ جزّوهُ أو شَطروا

وأنتِ مَنْ وَضَعتْ إبناً لها، ولهُ

إسمٌ يُلبّي به: دانييلُ أو عُمَرُ

رُدّي علينا عباءاتِ النبيّ فإنْ

رَدَدْتِها كان في عليائِه القَدرُ

أو سوف يستيقظُ الصمتُ الذي فزعتْ

منه النجوعُ وضاقَ الزَرْعُ والبَشَرُ

ويعتلي عرباتِ النارِ مَنْ لبسوا

جلدَ العبيد ومَنْ جاعوا ومَنْ نُحِروا

وليس ينفعُ سَجْعُ الأقدمينَ ولا

خطابةُ الذلِّ والتزويرُ والحَذرُ

غداً.. غداً سيقومُ النائمونَ إذا

تَمَلْمَلَ المارِدُ المَحبوسُ والشَّرَرُ

هذي الكنانةُ والأحرارُ في دمِها

تكونُ أولَ مَنْ كانوا ومَنْ حضروا

وإنْ شققتَ جلودَ الأرضِ عن بلدٍ

في مصرَ تلقى ضياءَ الكونِ ينفجرُ


 

الناقوس الزجاجي

إلى سيلفيا بلاث *

 

.. كيف لها أن تعدَّ الحليبَ وتمضي إلى الغازِ !؟

كان الشعاعُ قريباً من الرأس،

والبنتُ تبكي على مسندٍ في السريرِ،

وصاحبُها في طريقٍ بعيدٍ مع الشِّعر،

يبكي ويشربُ،

كانت تُعدُّ الفطائرَ والجُبنَ والبرتقالَ،

وتبني نواقيسَها من زجاجٍ ،

وتفتحُ نافذةً للبعيد.

أحبّتهُ،

لكنَّ غيرتَها مثلَ وحشٍ أليفٍ،

وتعرف أنَّ الحقيقةَ تأتي إليها،

فتبكي، وتحرقُ ما يترك الشاعرُ العاشقُ المزدهي من قصائد ..

تبكي وتكسرُ صوتَ المغني "لويل"،

وتطرده من عشاءِ النبيذ !

لقد فرّ للبرعم الغضّ،

راح إلى عتمة الكأس للّيل،

كان أباها الذي غابَ،

والعاشقَ الذي نابَ،

والساحرَ الذي أرسل الحرفَ حُزناً،

فعاد له وردةً في البريد.

من الظلماتِ إلى غضبٍ فائرٍ شِعرُ هذي الغيورةِ،

تمشي إليها الرسالاتُ من آلهاتِ السماءِِ،

وتعرف أن السنينَ بياضٌ بتجويفِ أيامها الخاويات،

فلا ظلَّ لليومِ والليلِ،

أحمرُها مثلُ جرحي،

وأفياؤها مثلُ ماءِ الغروبِ؛

كثيفٌ ودامٍ،

وخطوتها مثلُ قَطْعِ الوريد.

فظاعاتُ مُنتحرٍ، قبل أن يفتح الماء،

ما كتبتْ عن أبيها،

نذيرٌ كتابُ الروايةِ،

ضارٍ وَيدْهَمُ دونَ أصابعَ تستأذن القشعريرةَ ..

ماذا سنعترفُ الآن،

بعد الذي أهرَقتهُ الحنونةُ ؟

تلك التي شعرت أنها صورةٌ عن كيانٍ غريبٍ،

وأنّ الذي بادلته الجنونَ شبيهٌ بها ؟

- كلُّ نِصْفٍ له نِصْفُهُ كي تكون الملامحُ -

لكنّها السنواتُ التي كسرت بالسعادة تمثالَها !

فارتَخَتْ للحكايةِ،

وليبدأَ البحرُ لعبتَه من جديد.

بعد ثلاثينَ،

يأتي على الصمتِ،

يذبحه مثلَ فهدٍ،

ويحملُ رأسَ الخُرافةِ؛

هذي رسائلُ عيدِ الولادةِ،

بعضُ الخياناتِ،

صُبحُ الكؤوسِ،

وبِكْرُ الشَّواطئ

موقدها في الفِراشِ،

وصورتُها في الحديد.

فمَنْ سوف يقرأُ أشعارَها،

قبل أن تكبرَ البنتُ،

أو يشعلَ الجارُ شمعتَه للتي ضحكت دمعتاها لهُ ؟

ويخطو على ثلج "ديفون"،

أو يجعل الموجَ شَهداً إذا انغمست صُرّةٌ في الجليد ؟.

شاعرٌ جاء من موتها، قد أحبّته،

لكنّه تائهٌ

     أو شريد.                                                   رام الله 23/8/2005م


 


*  سيلفيا بلاث، زوجة الشاعر الإنجليزي تد هيوز، التي أحبته، وانتحرت في فبراير 1963، وكشف قصتها معه بعد ثلاثين عاماً من الصمت، وقبل أن يقضي بالسرطان العام 1998.

 

 

 قصيدة القدس

 

من ساحلِ البحرِ حتى قُدْسِ أَقْداسي

تمتدُّ شمسي وأشجاري وأعراسي

هنا القبابُ على الآفاقِ ساجدةٌ

بِتبْرِها وهناك الموجُ بالماسِ

هنا تُشرَّعُ خيلُ اللُّهِ أجنحةً

ويعتلي حمأةَ البُركانِ مِتْراسي

ويرْجِعُ العيدُ في المحرابِ إنْ صَدَحتْ

مآذنُ القُدسِ في ميلادِ أجراسي

هنا الشَبَابيكُ والحِنّاءُ في يدها

يُضَوِّعُ السّهلَ من عكّا لطوباسِ

هنا العروسُ على الإجلالِ إن رُفِعَت

بها الهوادِجُ من حيفا لأَرْطاسِ

هنا حُقولي، وموَّالي على نَهَرٍ 

يجري على شجنٍ حادٍ لآماسي

كتبتُ عُمري على زيتون دمعتنا

فأزهرت في يراعي شمسُ أطلاسي

يا أرضَ كنعان إنَّ الليلَ مُتَّصِلٌ

فَأَرْجعي لدروبِ الفتحِ أفْراسي

ووحّدي الأَهلَ، كادَ الضدُّ يقتُلني

هذا كُلَيْبٌ وهذي أُختُ جسّاسِ

وتلكَ داحسُ والغبراءُ قد بُعِثَتْ

مع البسوسِ، على رِجْسٍ وَوسْواسِ

وهذهِ في رُبى صِفّينَ قد جَمعَتْ

أبناءَ عَمّ ٍ على نابٍ وأضراسِ

فأوقفي غَبشَ الأحقادِ آن لنا 

أنْ نُفْرِغَ الكاسَ، إنّي أُترِعَت كاسي

أنا اٌبنُ عبدِ مَنافٍ حينِ تندهُني

فيستجيبُ عليٌّ وآبنُ عبّاسِ

والفاطميون أخوالي إذا هَدَلتْ

أُمّي، يكون جميعُ القوم جُلاّسي

وآلُ أيّوبَ مَنْ جاءوا على فَرَسٍ

فَراقَصَ الشَِّعرُ شِرياناً بِميّاسِ

وكان في حانةِ الخَيّام مَنْ ذُهلوا

بليلةٍ مَزَجَتْ خمراً بِنَوَّاسِ

يا آورَ سالمَ مُدّي خافقيكِِ لنا

كنورسٍ في سما جَمْري وأَقْباسي

وحاولي أنْ تَدُفّي مثلَ عاصفةٍ

فلم يصل جارحٌ لولا آبنُ فِرْنَاسِ

هذي عباءَتُكِ الشقراءُ سابحةٌ

في الغيم تهمي وروداً فوق أقواسي

ويهتف النَخْلُ في الريحِ التي عَبقت

خُذْني لبيّارةِ الليمونِ والآسِ

يبوسُ ! قد فَهَقَتْ في الشاطئين لنا

نارٌ تُضيء ذُرى يافا وعِمْواسِ

أنا العروبَةُ والإسلامُ، عارمةٌ           

مراكبي، وعلى الراياتِ نبراسي

أنا الشآميُّ والنيلُ الذي عرِفوا ..

واٌبنُ العراقِ وكلُّ الخَلْقِ مِن ناسي

أنا البدايةُ والطينُ الذي آشتعلتْْ

به النجومُ، فذابَتْ فوق أنفاسي

أنا المحيطُ، وسدُّ الماء إِنْ عطشت

هذي المجرّاتُ، والآوراسُ آوراسي

والأبجديةُ كانت بعضَ ما نَطَقتْ

به حروفي، فكان البرقُ كُرّاسي

أنا السفائنُ من قرطاج إنْ مَخَرتْ

على الضفافِ، وحقلي باذخٌ راسي

أنا القناديلُ، لا فجرٌ سيشرق في

هذا الزمانِ، سوى من زيتِ قرطاسي

أنا المناديلُ قد فَاحَتْ بِسوْسَنها

كأنها صفحةٌ من زَهْر نِرْساسِ

أنا الشَقائقُ في الياقوتِ إنْ شَهقت

رمّانةُ الجُرحِ من رَمْيات قوّاسِ

أنا النيازكُ إصباحٌ على ظُلَمٍ

وَيُورقُ الصُبْحُ في إشراقِ أغراسي

أنا الملاحمُ والفرسانُ صاعدةٌ

إلى الأساطيرِ ميداسٌ لميداسِ

أنا زفافُ طيورِ البحرِ إنْ غنجت

ريشاتُها أشعلت ناراً بأمواسي

هنا الرسائلُ لا تفترُّ جملتُها

شيخي ينادي على حَبْري وشمّاسي

هنا السلامُ على العدلِ الذي نَشَدوا

تاجُ السنابلِ يحنو فوق دَرَّاسِ

أنا معلّقةُ الصحراء باقيةٌ

ما دام سِحْري على حِبْري وأطراسي

أنا المدائنُ من صَنْعا إلى حلبٍ

وهي الحضارةُ من نجدٍ لِمِكْنَاسِ

أنا عروسُ عبابِ الشّهدِ في بلدٍ

يمتدُّ من أخمص المرجانِ للراسِ

أنا يبوسُ، وهذا إسمُ عاشقةٍ            

لجنّةٍ جمعَتْ نايي وقُدّاسي

أنا على شَفَةِ الدّنيا إذا اٌبتسمت

وخافقي وترٌ من عهد حُوراسِ

أنا البراقُ، فمَنْ يرقى إلى نَسَبي

دربي السماءُ وزادي ملءُ أكياسي

فتحتُ بابي على العشاقِ فاجتمعوا

حولي؛ الحجازيُّ والنوبيُّ والفاسي

قدّمتُ مائدةَ الأنوارِ فامتلأت  

كأسُ الرؤى بالرّضا .. من جَمْرةِ الطّاسِ

يا قُدْسُ! هذا دمي الورديُّ فاغتسلي

وهذه عاصفاتي تحت أرماسي

ورمحُ حرّيتي يهتزّ إنْ رهَجتْ 

فيه النّجائعُ سيلاً فوقَ أتراسي

يا إيليا المجدِ ! هذي قنطراتُ أبي

تعلو على ما بَنَوْا شكلاً بمقياس

وهذه شعلةُ الإيمان طالعةٌ   

على اللّواوين ترمي وَجْهَ خَنّاسِ

وكم رمينا وراءَ السُّورِ مَنْ نَفَثوا

قوماً لقومٍ وأجناساً بأجناسِ

غداً نكونُ، ويبدو السفحُ خابيةً

من الصغارِ .. تُغَنّي فوق أكداسي

ويرقصُ الطيرُ مذبوحاً على وَلَهٍ

 كأنهم عَلَّقوا قلباً بِمِنْسَاسِ

إني أُحّبكِ يا قُدْسَ البلادِ هوىً

يفوقُ دَفْقةَ أضلاعي وإحساسي

فكلّما ذكروا عينيكِ، سيدتي  

أرى الفراديسَ في مرآةِ أحْدَاسي

يا اٌسمَ الشقائقِ والريحانِ،عابثةً

به الفراشاتُ أُنْساً فوق إيناسِ

يحبّ وجهَكِ ذو نبضٍ وقد هتفت

له الجدائلُ في أقمار وَنّاسِ

والقافلون على التلاّت إنْ عَطِشوا

يكون بدرُ الليالي الطَّاعِمَ الكاسي

والقادمون على الأفياء إنْ حضروا

حَلّوا ببيتٍ بلا سقفٍ وأمْراسِ

فَبَيْتُهم كلُ هذا الفيضِ ثابتةً  

أرْكَانُه دون أحْجَارٍ وكَلاّسِ

لأنّه بيتُ مَنْ كان السحابُ لهم

بيتاً، أقاموه بالإيثارِ والباسِ

يعزُّ ياقدسُ أنْ تبكي على كتفي

والأنبياءُ على أعتاب نَخّاسِ

يعزُّ، لكننّا بالحقَّ نُرْجِعُها     

قُدْ ساً تقولُ: هنا أهلي وحُرّاسي

 

 

 

 

 

 

 


 

 

 

 

This Page is built by MWK3 Site Builder