ليس أبلغ دلالة على الفصل الجديد للانهيارات العربية من الشماتة الإسرائيليةبالنزاع بين دولة عربية كبرى هي مصر، و «حزب الله» الذي يعتبر نفسه رأس المقاوماتفي المنطقة. هو فصل طاغٍ من صراع الشرعيات والمقاومات، وأياً يكن تبرير كل طرفلموقفه، فتلك الشماتة لا تكلّف العدو بعد أسابيع على حربه الوحشية في غزة، سوىالتفرج على شرعية كبرى وحزب المقاومة ينزلقان الى مواجهة، لا تضيف الى الواقعالعربي سوى مزيد من التهشيم والشرذمة، والانصراف عما تحيكه إسرائيل في عهد غلاةالتطرف. وهل يكون الجواب صعباً لسؤال من نوع: أي مكسب لحكومة نتانياهو إذاتضعضعت ثقة «حماس»، مثلاً، ومجدداً بصدقية الوساطة المصرية بين الفصائلالفلسطينية؟... وإذا انهارت هذه الوساطة لتترك الساحة لمزيد من التشرذم الفلسطيني،وليتجدد أوار النزاع على الشرعية بين «فتح» و «حماس»؟ ... وهل يكون مستغرباً كشفشبكة تجسس إسرائيلية في لبنان أو مصر أو غيرهما، أم العجب في ضبط شبكة تتجسس علىمواقع عسكرية في الأردن، لحساب «حركة المقاومة الإسلامية» (حماس)؟ هي معركةشرعيات إذاً، معها تتوارى مسألة «شطب» فلسطين، ومواجهة قضم إسرائيل قضيتها وحقوقشعبها، وسط غبار كثيف يحجب الرؤية عن كل ما فيه تماسك لقضايا المنطقة وحقوقها،لتسطع الشماتة الإسرائيلية بحكوماتها وأحزابها ومقاوماتها. لكنه الغبار الذي قديرشد حكومة نتانياهو الى إمكان الثأر من نتائج حرب تموز (يوليو) على لبنان،باستغلال أي اعتداء محتمل على سياح إسرائيليين في مصر، لشن حرب أخرى على لبنانذريعتها مطاردة «حزب الله» وضربه. الساحة جاهزة والذريعة، فيما قيادة الجيشالإسرائيلي ما زالت تصر على أن القرار 1701 حبر على ورق، وأن ما ينتهكه ليس خرقهاالأجواء اللبنانية بل «تهريب السلاح» الى الحزب، وبناؤه ترسانته مجدداً. يعززالاحتمالات السيئة لتداعيات الأزمة بين مصر و «حزب الله»، أن القوى الإقليمية غيرالعربية تعيد ترتيب أوراقها، لرسم خريطة النفوذ في المنطقة مع الأميركي الباحث عن «خريطة خروج» من العراق وأفغانستان. وفيما هذه القوى مدعوة الى مساعدة الرئيس باراكأوباما في الخروج «الآمن»، ترفع سقف شروطها، على حساب القرار السياسي العربي، بلعلى حساب أدوار دول كبرى مثل مصر. ولعل هواجس القاهرة من «اصطياد» طهران فيالمياه العربية، يفاقم أزمتها مع «حزب الله»، ودفاع «حماس» عن الحزب في وقائع «خليته» التي استنفرت الأمن المصري، لن يسهّل بالتأكيد وساطة مصر بين الحركة و «فتح» لإنهاء مأزق تشرذم فلسطين فلسطينَين أو ثلاثاً. والأهم أن كل تلك الوقائع لنتيسّر انطلاقة قريبة لقطار مصالحة بين مصر وسورية، كانت متطلباتها أقل تعقيداً قبلكشف قضية الخلية. الذين يعرفون مسلسل الشكوك والأزمات الصامتة والمكشوفة بينالقاهرة وواشنطن في عهد الرئيس جورج بوش الذي أطلق العنان موسمياً لانتقاداتأميركية طاولت السجل المصري لحقوق الإنسان وأثارت ملف الأقباط أو افتعلته، يدركونفي أي أقنية تتبدى حساسية الحكم المصري والمصريين عموماً إزاء كل ما له علاقةبالطوائف أو المذاهب. لذلك يضرب اتهام الخلية بالسعي الى «نشر الفكر الشيعي» علىوتر مرارة تضخمت لدى القاهرة منذ الحرب الإسرائيلية على لبنان في عام 2006. وأماشريانها الأكبر الذي لا يغفل عنه أي مصري، فهو أي اتهام من أي جهة يشكك في وطنيةدور القاهرة في معالجة الأزمات العربية، أو يثير غباراً حول جهود «خفية» معالإسرائيلي، أو حتى مع الأميركي الذي كان الى وقت قريب العدو الذي تحدته الممانعةمنازلةً في المنطقة. وإذا كان أنصار الممانعة لا يرون بأساً في أن يتحرك «حزبالله» لمساندة غزة ومقاومتها، ولو على حساب السيادة المصرية، فإن من صنّفوهم فيفريق «الاعتدال» يجدون أنفسهم أمام من يطالبهم بكشف حساب لوطنيتهم... بل ان بعضهميتحيّن لحظة صدمة، إذ «يضطر» الممانعون الى تحويل مجرى الصراع باتجاه الشرعياتالكبرى، فيما حلفاؤهم يفاوضون الأميركي على حساب الشرعيات والمقاومات. ... قعرالانهيارات العربية أعمق بكثير من قاع أنفاق غزة.