ليتمجد الموت الآتي باسم السلام
مصطفى زين
التأرجح بين الانتماء واللاانتماء. الوقوع في الفخ بين الوجود والعدم. البحث عن الحقيقة المراوغة في الفن. السعي إلى الصمت المعبر. هذا بعض ما يميز مسيرة الشاعر والمسرحي البريطاني هارولد بنتر الذي رحل منذ أيام. هي ميزات مثقفين أوروبيين كثيرين، بينهم صديقه المسرحي الإيرلندي صموئيل بيكيت. هي بعض من ملامح الثقافة الأوروبية لما بعد الحرب العالمية الثانية، بمآسيها وعبثها.
بنتر أحد الذين صنعوا هذه الثقافة وبنوا نهضتها الحديثة في الفلسفة والشعر والمسرح والرواية. والأهم من ذلك بنوا ضميرها الحي، بوقوفهم ضد الفكر التوتاليتاري، وضد حكوماتهم الديموقراطية في الداخل والمستبدة العنصرية في الخارج. وكانوا مع تحرير الشعوب. تماماً مثلما كانوا مع تحرير العقل من الأساطير والخرافات القديمة والحديثة. القديمة المتمثلة في فكر القرون الوسطى وما قبلها، ويجددها سياسيون ومثقفون تابعون لتبرير حروب الإبادة الأميركية التي تدعي القدسية، وتفوح منها رائحة النفط.
في كلمته أمام الأكاديمية السويدية لمناسبة تسلمه جائزة نوبل للآداب، خرج بنتر عن آداب المناسبة. لم يلق عظة في المسرح أو الشعر. تكلم على الحروب الأميركية، منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية إلى اليوم، جمهورياً كان ساكن البيت الأبيض أو ديموقراطياً، من نيكاراغوا إلى العراق الذي اعتبر اجتياحه عمل قطاع طرق. رأى ان الرئيس جورج بوش وبن لادن وجهان لعملة واحدة، على رغم أن أحدهما يكفّر الآخر.
هذا الموقف الأخلاقي للنخبة الأوروبية الذي ساد طوال النصف الثاني من القرن الماضي، لم يغب أيضاً عن مثقفين أميركيين مثل نعوم تشومسكي وهنري ميللر الذي وقف مرة إلى جانب بنتر في السفارة الأميركية في أنقرة ليحتج على الاستباد التركي والقمع الوحشي للمعارضة، مسبباً حرجاً شديداً لواشنطن تجاه أقرب حلفائها إليها.
هذا هو الوجه المشرق للثقافة الغربية. ولكن لها وجه آخر مظلم يمثلّه مثقفو السلطة، وكتبة خطب الرؤساء الغارقون في متاهات النفاق السياسي. ولربما كان المحافظون الجدد في أميركا خير مثال على هؤلاء الموغلين في العنصرية. وكان بوش يستمد رؤاه منهم. كتب أحد منظّريهم الذي ألهم الرئيس الأميركي عبارة "الإسلام الفاشي"، واسمه نورمان بودهورتز: "لا يمكن لنشر العلم والبحبوحة في العالم الإسلامي أن يضع حداً للإرهاب، مثلما حصل في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية (مشروع مارشال)، لذلك لا بد من الحرب ومن أيديولوجيا الاحتواء، اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً. ولا بد من تفعيل هذه الأقانيم الثلاثة التي تؤدي إلى النصر".
أي ثقافة غربية نختار؟ بعضنا اختار تخلف المحافظين الجدد. سار مع أرتال الدبابات الأميركية أو الإسرائيلية ليبشّر بالسلام القادم إلى الشرق الأوسط، عبر العراق ولبنان وغزة أخيراً. وراح يردد قصيدة بنتر، ممجداً، وليس متهكماً مثله. ومنها هذا المقطع:
ليبارك الرب أميركا/ ها هم ينطلقون ثانية/ اليانكيز في استعراضهم المصفّح/ منشدين أغاني فرحهم/ بينما يهرعون
عبر العالم الكبير/ مصلّين لرب أميركا/ المزاريب مسدودة بالجثث/ جثث الذين لم يلتحقوا بالركب/ الذين رفضوا
أن يغنّوا/ الذين يفقدون أصواتهم/ الذين نسوا النغمة/ الفرسان يحملون سياطاً باترة/ رأسك يتدحرج على
الرمل/ رأسك كرة في الطين/ رأسك لطخة في الغبار/ عيناك انطفأتا/ وأنفك يشم عفن الموت فقط
ليتمجد الموت الآتي باسم الحرية والديموقراطية والسلام.